الثورة
النبيلة.. إلا قليلا
5 July 2015 0 7
حجي جابر
حجي جابر
لا
يكفي قيام ثورة في وجه الطغاة تنادي بالحرية والعدل وإنهاء القمع، حتى تكون ثورة
نبيلة بالكامل.
الثورات
ما لم تواجه طغيان أنفسنا أيضا سيعتورها الكثير من النقص والتخبط، وستتحول مطيّة
لطغيان جديد بصورة مختلفة.
هذا
بعض ما تقوله رواية جميلة انتهيت منها للتو بعنوان «الرصاصة تقتل مرتين» للروائي
السوري محمد الدعفيس ترصد زاوية هامة من زوايا الثورة السورية التي لم تكتمل بعد،
لكنّ الروائي استطاع أن يقول شيئا قيّما، ويلتفت لما يتم تجاهله عادة حين يصرخ
الجميع بالثورة.> ولعلّ الإهداء هنا يصلح ليكون عتبة
للنص، فالدعفيس يهدي روايته «إلى كل الضحايا»، وكأنه يحاول إعادة تعريف الضحايا
الذين يسقطون في الثورات، فيوسّع من الدائرة لتشمل من تبتلعهم الثورات نفسها وليس
فقط من تستهدفهم القوى التابعة للأنظمة المستبدة.
يمضي
العمل الصادر عن نادي الباحة الأدبي ودار الانتشار العربي في نحو مئتي صفحة توزعت
على أربعة فصول وورقة أخيرة، يمضي في عدة مستويات، فهناك شاب جامعي له آماله
وأحلامه العريضة قبيل اندلاع الثورة، ونفس الشاب نراه حين ينخرط في الثورة بالنبل
ذاته، إلى أن نرى في المستوى الثالث الحال التي آل إليها في مقارنة بنوع آخر من
الثوار كانت لهم نهاية مختلفة.. وكان الجميل هنا أن المستويات الثلاثة كانت تتداخل
بطريقة رشيقة منحت النص التشويق اللازم.. فالحكاية تبدأ من النهاية، من المآل الذي
بلغه الثائر معطوباً وفاقدا لإحدى ساقيه في غرفة ضيقة، تضيق بدخان سجائره الذي لا
يجد منفذا يعبر من خلاله.. ثم نسترجع رفقة الثائر تلك الأيام الطويلة التي أفضت به
إلى حاله هذه «تعلّق الأوسمة على الصدور، لكنها لا تظهر على صدور حامليها إلا في
المناسبات، أما هو، فوسامه ملتصق به، يذهب معه حيثما يكون».
وهنا
يبدو غريباً بعض الشيء أن يصل الروائي ببطله إلى نهاية يُستقى من العبر، بينما لا
تزال الثورة مستمرة.. لكنّ هذا ربما يوضح إلى أي مدى أصبحت الثورة تدور حول نفسها
كطاحونة كبيرة مادتها الأساسية هي كل تلك الوجوه التي مرّت بالثورة لكن بنوايا
مختلفة.. فرفاق الثورة لم يكونوا على قلب نبل واحد، وإنما كانت الأغراض الشخصية
تحرّك بعضهم، حتى إذا وجدوا فرصتهم، أعطوا كل القيم التي كان ينادون بها ظهورهم،
وولّوا لحياة جديدة مترفة بالملايين التي حصدوها من الثورة المغدورة.
يبدو
لي هذا النص كجرس إنذار استباقي يحاول عبره الروائي أن يُخبر السوريين جميعا أن
انتصار الثورة المنتظر قد لا يحمل خلاصا تامّا من الاستبداد، ما لم يلتفتوا إلى
استبداد أنفسهم أولا. وكأنه هنا يمتثل مقولة الأرغواياني إدواردو غاليانو: «اليوم
الأخير من الاستبداد، هو اليوم الأول من الشيء نفسه».. وكان لافتاً أن النص لم يشر
لمنطقة أو مدينة ما، وكأنه يقول إن ما يحدث، يحدث في كل مكان في هذا الوطن المنهك.
بقي أن
أقول إن لغة النص كانت رفيعة وتشي بتمكّن صاحبها من أدواته، كما أن العمل كان
مشبّعاً بالتأمل، عبر العبارات المنثورة عبر الصفحات والتي ناسبت تماماً حالة
التذكر الممزوجة بالخيبة لثائر سابق ومعطوب حالي.http://www.al-watan.com/mobile/viewnews.aspx?n=102CC533-3DF6-4496-8541-37B688E50C1C&d=20150705#.VZxbZ0YUfQJ!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق