الأحد، 14 يناير 2018

جريدة السياسة الكويتية تحاور محمد تركي الدعفيس عن أعماله الروائية

كاتب سوري يرصد التحولات التي أوجدها الصراع في بلاده

محمد دعفيس: اكتشف عشقي للرواية… فاستقريت على ضفافها


القاهرة – أحمد الجدي:
محمد الدعفيس، كاتب سوري أصبح من نخبة الروائيين السوريين في وقت سريع، حيث كانت 3 أعمال أدبية في فن الرواية تحديدا كفيلة بأن تجعله واحدا من أصحاب لقب أكثر الكتب مبيعا وقراءة ليس في سورية فقط بل في العالم العربي كله.أصدر الدعفيس 3 روايات حققت نجاحا كبيرة وهي «الرصاصة تقتل مرتين»، و»قوافل الريح»، و»هي والراهب»، وشاركت هذه الروايات في معرض القاهرة الدولي الماضي للكتاب، وحققت نجاحا كبيرا.
الدعفيس في حوار خاص لـ «السياسة» يتحدث عن أعماله السابقة والمقبلة، ويوضح أسباب اختياره الدائم لسورية كبطل مكاني لرواياته ومجموعاته القصصية دون غيرها من الدول لعشقه الكبير لها وتأثره الشديد بكل ما يحدث فيها.. للمزيد من التفاصيل الى نص الحوار:
– في رصيدك الروائي حتى الآن ثلاث روايات هي «الرصاصة تقتل مرتين» و»قوافل الريح» و»هي والراهب».. ماذا أردت أن تقول من خلالها؟
/ الرواية لوحة بيضاء من حيث الابتداء، يترك مؤلفها عليها رؤيته للأشياء من حيث الانتهاء.. أو بمعنى آخر هي رؤيتنا للحياة، ومن هنا تجدني في كل هذه الروايات بقدر أو بآخر، فأنا أرافق شخصياتها، أدير صراعاتها، أحدد مآلاتها، ولا أفرض ذلك بسطوة المتحكم، بقدر ما أترك للعمل أن ينساب في عوالمه سواء التخيلية أو الواقعية حتى يحقق في النهاية مبتغاه.في كل رواية كانت هناك رؤية أو وجهة نظر، ففي «الرصاصة تقتل مرتين»، وهي بالمناسبة باكورة انتاجاتي الروائية ومفتاح مشروع طويل أعمل عليه يتناول الأوضاع في بلدي سورية، ثمة ادانة للعنف والعنف التبادل، وثمة انتقاد للانتهازية، وثمة توصيف لمآلات أبطال التغيير الحقيقيين الذين يتخطاهم الانتهازيون في الأزمات فيقفزون على المكاسب ويشوهون حتى أهداف التغيير.
وفي «قوافل الريح» وهي جزء آخر من المشروع ثمة معادل لقوافل الموت، فالنزوح الى المخيمات وان كان خيار أولئك الذين تركوا الحرب جانباً فلم ينضموا لهذا الطرف أو ذاك لأنه لا قبل لهم بتبعاتها، بدا أنه خيار مقيت، فالمخيمات لم تكن ولن تكون يوماً بيئة صالحة لمستقبل مأمول، وفي رحلة هؤلاء بحثاً عن ملاذ من جحيم الحرب واجهوا جحيم الاستغلال، وجحيم الجنون، وجحيم الهوان والضعف.أما «هي الراهب» وان بدت بعيدة بعض الشيء عن المشروع، الا أنها تتداخل معه، وهي تتطرق الى أن الصراع بين أتباع الأديان يمكن أن تشعله قصة غرام عابرة حتى لو كان أطرافها غير منزهين عن الأخطاء.
الفصحى والعامية
– في بعض الأعمال زاوجت بين الفصحى والعامية.. الى أي حد يمكن أن يؤثر هذا في فهم العمل الذي ترمي اليه بالسبة لغير العارفين بهذه العامية؟
/ ظهرت العامية بشكل محدود للغاية وفي حوارات بعض الشخصيات، وكان بناء الشخصيات هو الناظم والمؤثر في هذا الشأن.. فحين يتحدث فلاح عجوز، أو نجار طاعن في السن لم يتلقيا تعليماً، وهما ينتميان الى أحد الأرياف يصبح من المنطقي للغاية حتى وان تحدثا بحكمة أن يصيغا عباراتهما بلهجة محكية تنبع من فضائهما المكاني وحصيلتهما الثقافية.وفي العموم اخترت عامية بسيطة يمكن فهمهما بكل بساطة لكل قارئ يتناول العمل حتى وان كان بعيدأ عن البيئة الجغرافية لهذا العمل، وأعتقد أن مثل الخطوة حققت مصداقية أشد للعمل.
– رغم حرصك على الفضاء المكاني، الا أنك لم تحدده بشكل قاطع في أعمالك الروائية.. هل كان هذا مقصوداً؟
/ نعم، الى حد بعيد.. البيئة التي اخترتها هي وطني سورية.. في كل عمل ستتلمس ذلك، لكني لم أحدد المنطقة الجغرافية بتعمد، لأن ما يحدث كان شيئاً عاماً.. يحدث في كل منطقة من هذا الوطن.. وهو يتكرر ربما بتفاصيل مختلفة قليلاً لكنه تكرر في صورته العامة.
– يقول البعض أن الكتابة عن الجغرافية المحلية ربما يحد من تعميم العمل، وربما يقلص مساحة قرائه، ما ردك؟
/ لا أتفق مع هذا القول، فكثير من الأعمال الأدبية حققت عالميتها انطلاقاً من اغراقها في محليتها، وانطلاقاً من صدقها وعبقرية أمانتها مع محليتها.. انظر مثلاً الى أعمال حامل جائزة نوبل نجيب محفوظ التي غاصت في عمق الحارة المصرية.. اقرأ «موسم الهجرة الى الشمال» للطيب صالح والتي تعد من أفضل مائة عمل روائي في العالم.. المسألة لا علاقة لها بتحديدك مساحة لتبتدع عملك في اطارها، بقدر ما يحمله العمل نفسه من أهمية، ومن قدرة على مخاطبة القارئ وملامسة انسانيته.
في اهداء روايتي «الرصاصة تقتل مرتين» قلت «الى كل الضحايا».. الضحايا ليسوا فقط من سقطوا في وطني.. ربما هم كل من طحنتهم الحروب في أي مكان في العالم، خصوصاً تلك التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
ازمات
– من المؤكد أن الأحداث السياسية والأزمات التي يعيشها الوطن العربي أثرت في أعمالك؟.. كيف ترى تأثير هذه الأحداث في النتاج الأدبي؟
/ لنتفق بداية أن الرواية عالم تخييلي، لكن هذا لا يبعدها عن كونها جنساً أدبياً يصور الواقع الاجتماعي في مختلف مراحل تطوره وحالاته، وهي تتشرب ملامح التيارات الفكرية وظروف الناس وتقف على مسيرة الخلل في مشوار الانسان العادي، فالنص الأدبي من حيث المحصلة هو امتداد لواقع الأديب.
والرواية عموماً تلتقط التحولات وعلاماتها، وتعرضها عبر شخوصها وأحداثها بعيداً عن البوح المباشر، وان كان التراكم يكشف أحاسيس ووجهة نظر الكاتب.
وبالتالي فان تأثر الأديب بما يحيطه من أحداث أمر منطقي وطبيعي، ولذا تفاعل كثيرون مع هذه الأحداث وأنتجوا أعمالاً نالت جوائز مثل «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي و»الطلياني» لشكري المبخوت، كما تفاعل آخرون مع قضايا وطنية واجتماعية ذات عمق في محيطهم الوطني وأنتجوا أعمالاً لافتة مثل «ساق البامبو» لسعود السنعوسي أو «سمراويت» و»مرسى فاطمة» لحجي جابر، ناهيك عن أعمال عظيمة أخرى لعبده خال وعبدالرحمن منيف وحنا مينة وغيرهم وغيرهم.
– ألا يخشى الكاتب وهو بهذا الارتباط مع الواقع أن يتحول الى مؤرخ حين يتناول الأحداث السياسة الآنية؟
/ في الاجابة السابقة ركزت على ابتعاد الروائي عن البوح المباشر، ولعل هذه النقطة تحديداً هي التي تمثل الفارق بينه وبين والمؤرخ، فهو يعبر عن رؤيته وما يريده من خلال الفعل، بما يشد القارئ لمشاركته في اتخاذ موقف ما، عكس المؤرخ الذي يلجأ للفظ العاري المجرد والمباشر.
مهارة الروائي تكمن في كيفية توظيف المادة الخام بين يديه وكيفية عجنها وصياغتها والباسها اللباس اللائق، وفي كيفية اقحام القارئ في أحداثها بما يجعله مشاركاً في أحداثها، باستخدام قدر من المغامرة والاثارة التي تدفع القارئ للبحث عما حدث وماذا بعد أن حدث.
– تضع اعتباراً بالغ الأهمية للقارئ.. كيف تراقبه وأنت تكتب؟
/ من المؤكد أن للقارئ أهمية قصوى، لكني مع ذلك أعرف أنه يتناول العمل وفق مزاجه الآني حين القراءة.. أحاول دوماً أن أكون قريباً منه، أحادثه من خلال العمل كصديق يبثه أسراره، وأحياناً وفق هذه الرؤية اختار نوعية السارد في العمل.
بعد انتهاء العمل وطرحه يموت المؤلف حسب رؤية الفرنسي رولان بارت، وتنحسر العلاقة بين النص وكاتبه، ولا يعود بامكان المؤلف الدفاع عن آرائه أو مقاصده لأنها غير مهمة في نظر القراء والنقاد، ولذا فمراقبتي للقارئ تتمثل في مدى الاقناع الذي أقدمه له من خلال العمل، ومدى الاحترام الذي أكنه لعقليته وذكائه، ولذا كثيراً ما نحرص نحن الرواة على عرض أعمالنا قبل دفعها للطباعة على مجموعة صادقة من القراء القساة ممن نثق بأحكامهم وبعدهم عن المجاملات لنستطلع الانطباع الأول عن العمل، ونعرف بالتالي مكامن عدم الاقناع فيه لتصويبها.
– كانت لك تجارب في القصة.. ماذا عنها؟
/ قبل عملي الروائي الأول، أصدرت مجموعتين قصصيتين، الأولى حملت عنوان «رحيل».. والثانية وكانت قصص قصيرة جداً بعنوان «لا وقت للحلم».. وسبقت ذلك بنشر مجموعة من النصوص في كتاب حمل عنوان «على حافة الأمنية».. كل هذه كانت بمثابة ارهاصات وتجارب في عالم السرد، مهدت في النهاية لولادة الروائي داخلي، وبعدها عرفت أنني أعشق كتابة الرواية، فاستقريت على ضفافها.
– تعاملت مع دور نشر عدة.. كيف تقيم تناولها للأعمال الأدبية؟
/ بصراحة، هناك تفاوت كبير، كثير من دور النشر يهمها أن تحصل على المقابل النقدي، وهي تكتفي بطبع الكتاب ودفعه للسوق، وكأن مهمتها انتهت.. فيما هناك دور نشر جيدة وتستحق مسماها تعنى بالمؤلف والكتاب، ولا تجيز كتابا ضعيف المحتوى، كما تحرص على الترويج لكتبها عبر المعارض والمناسبات ووسائل التواصل وغيرها من الوسائط الاعلامية.
وشخصيا تعاملت مع عدة دور نشر لها حضورها مثل دار مدارك والدار العربية للعلوم (ناشرون) ومؤسسة الانتشار العربي، لذا زارت رواياتي معظم المعارض العربية.
على المستوى العربي ما زلنا نفتقد الدور الفاعل لدور النشر المتخصصة التي يمكنها حتى أن تتعاون مع الكاتب في نقد العمل وتوضيح أين وقع مثلاً في الاطالة والمباشرة، وأين وقع في السهو، وأين كان يمكن أن يطور من حواراته.. نفتقد عملياً دور المحرر الأدبي، وربما ما زال مفهومه غريبا عن دور نشرنا، ولذا يتحمل الكاتب لدينا مسؤولية عمله من الألف الى الياء.
– هل ساهمت دور النشر هذه وغياب المحرر الأدبي في انتشار أعمال غير لائقة؟
/ حتماً، بعضها يستسهل، ويكفيه الحصول على المقابل النقدي بغض النظر عن المحتوى.. صحيح أن لكل كاتب قراؤه، وأن عملية الاصطفاء متروكة لذائقة الجمهور، لكن انتشار الرديء سيؤثر على الجيد، أو على الأقل يشوش على فرص وصوله بشكل أسرع للجمهور.
– ألم تفكر بتحويل أي من رواياتك الى عمل درامي؟
/ للحقيقة فكرت، وربما هو مشروع مؤجل بانتظار المنتج الذي يقتنع بتقديم عمل يرصد آلام الناس وصراعاتهم وطموحاتهم.. المسألة رهن بالآخر القادر على تحمل هذه المغامرة وليس بي.. فشخصياً ربما لا أشترط الا أن يخرج العمل مخرج يحسن القراءة ويؤمن بأن أهم ما يجب تناوله وعرضه هو أوجاع الناس وعذاباتهم.
– ما عملك المقبل؟
/ هي رواية تحمل حالياً اسم «البلم» ستأتي ضمن المشروع الكبير الذي أعمل عليه لرصد التحولات التي يخلفها الصراع في بلدي وانعكاساته على عامة الناس، وأتمنى أن تنجح هذه الرواية نفس النجاح الكبير الذي حققته أعمالي السابقة وأن تنال اعجاب متابعين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق