الاثنين، 2 أبريل 2018

دروب الآلام والخيبات فــي رواية «البلم» للسوري محمد الدعفيس

دروب الآلام والخيبات فــي رواية «البلم» للسوري محمد الدعفيس http://www.alquds.co.uk/?p=908493


لا تنبع قيمة الوطن مــن المكان، بل مــن الشعب الذي يعيش فيه، وما يربط بـيـن أفراده مــن علاقات، وفق دستور وقوانين وأنظمة، تقوم عــلـى تنفيذها سلطة مؤتمنة، وأي خلل فــي هذه المكونات يخدش الوطن والمواطن، ويخضع العلاقة بينهما لمعادلات وحسابات مغايرة، وربما قطيعة مؤقتة أو دائمة. والمرء يتحمل ويصبر مــن أجل وطنه، وقد يتجرع المرار، ولا يتركه إلا مضطرا بسبب عدو محتل غاصب، أو نظام مستبد ظالم، أو فقر وحرمان. وعندما يتحول الوطن إلــى جحيم، وموت مرتقب بـيـن لحظة وأخرى، يصبح الفرار منه ضرورة حياتية. ولكن مهما بلغ المرء خارج وطنه مــن مكانة وتقدير واحترام وحرية، فسيبقى يشعر بكسر داخله، مسكونا بالغربة والحرمان، فلا مكان أدفأ مــن حضن الوطن، ولا سماء تظلل حقيقة إلا سماء الوطن!
الاحتراب الداخلي فــي سوريا، تحول إلــى حرب بالوكالة، صراع قوى دولية، لكل منها أجندتها ومصالحها وحساباتها، اتخذت مــن الساحة السورية ميدانا لها، والشعب السوري هو الضحية، والمنتصر فــي النهاية هو العدو، والخاسر الأكبر هو الوطن!
ترسم رواية «البلم، منشورات ذات السلاسل، 2018» لمحمد تركي الدعفيس أحد دروب الآلام والشوك للمهاجرين السوريين، عبر تركيا إلــى اليونان عــلـى أمل إكمال الطريق إلــى السويد أو ألمانيا أو غيرهما. وجاءت الرواية مغمسة بالخوف والألم والقهر والمرارة والخيبة وانهيار الأحلام. رواية نجحت فــي رسم لوحة حزينة مؤلمة لمجموعة مــن المهاجرين، تحطمت قواربها فــي كل ميناء، وتحول انتظارها المؤقت فــي اليونان إلــى إقامة طويلة لا أفق منتظر لانتهائها. رواية ترصد جانبا مــن الحكاية، مؤلما لأصحابه، ومخزيا للعالم الذي يرى ويسمع ويصم أذنيه، متهربا مــن مسؤولياته، ومتخليا عـــن إنسانيته «عالم كاذب استدرجنا بدعايته وأبواقه ومبادئه البراقة، وحين غاصت أقدامنا فــي وحوله تنكر لنا، وانقلب علينا».
الدول تحركها المصالح، لا وجود لمبدأ أو خلق أو دين، وإن وجدت فهي ستار للخداع واستثمار أمثل للفرص، وتعاملها مـــع المهاجرين مصلحي وعلى المكشوف »نحن مجرد أوراق يلعبون بها حين يريدون… جدوانا بالنسبة لهم تنبع مــن قدرتهم عــلـى الاستفادة منا»، فهناك دول تستقبل المهاجرين، وتسمح لهم بالمغادرة أو تمنعهم لمصلحتها، مثل تركيا التي »تتفاوض لتصبح عضوا فــي الاتحاد الأوروبي.. هذه الرغبة تراودها منذ سنوات.. وأخيرا بدأت تفاوض الاتحاد لتضمن لمواطنيها ميزة دخول دوله دون تأشيرات.. لكن التفاوض عادة لا يكون بمجرد الإقناع والحجج المنطقية.. غالبا مـــا يجتمع معه الضغط أيضا.. ونحن ورقة الضغط… الأمر ببساطة يشبه صنبور الماء.. تركيا تمتلك إمكانية فتح الصنبور أو إغلاقه، ونحن تماما كالماء لا نمتلك مــن أمرنا إلا التدفق إذا فُتح أو الاحتباس إذا أُغلق.. إنها تفاوض الأوروبيين لتحقيق مصالحها، إن قبلوا وحققوا لها مـــا تطلب أغلقت الصنبور واحتجزتنا جميعا خلفه، وإن لم يوافقوها فتحته وتركتنا نتدفق».
استغلال المهاجرين
وفـــي المقابل ثمة دول تتمسك بالمهاجرين وتجبرهم عــلـى البقاء أيضا لمصلحتها، فاليونان مثلا »بلد فقير، وغير قادر عــلـى تأمين المتطلبات فــي ظل أزمته الاقتصادية الخانقة، وكلما زاد عـــدد اللاجئين الذين تبقيهم الــحــكــومــة داخل حدود البلد تزداد قدرتها عــلـى التسول مــن الأمــم الـــمــتـحــدة والدول الأوروبية باسمهم.. هذه خطة قد تسهم فــي إنعاش الاقتصاد قليلا، ولذا يعملون عليها، وأنتم وقودها»، وجميع هذه الدول، لا تعير المهاجرين أي اهتمام أو تقدير إلا بما يجلب النفع لها، فالمهاجر عبارة عـــن سلعة تقايضها الدول مــن أجل مصالحها دون أي اعتبار لإنسانيتهم وكرامتهم.
تروي رواية «البلم» حكاية عينة مــن المهاجرين الذين باعوا كل مـــا يملكون بثمن بخس؛ ليدفعوه إلــى المهربين وعمالهم ومكاتبهم وسماسرة التهريب ونقاط التفتيش وتجار الحروب؛ بحثا عـــن عيش كريم منتظر.
خرجوا مــن سوريا تهريبا فــي مغامرة مملوءة بالخوف والآلام، وحطوا رحالهم فــي إزمير فــي حالة مزرية مــن الفوضى وتكدس المهاجرين انتظارا لتهريبهم إلــى إحدى الجزر اليونانية. وبعد عدة محاولات، وحجز، والتنقل مــن مهرب إلــى مهرب ركبوا «بلما» قديما صغيرا عــلـى غير مـــا اتفقوا عليه، مـــع سائق دون خبرة سابقة، يسوقهم إليه أحد عمال المهرب الذي يعاملهم بجلافة، فقد استلموا نقودهم، وليذهب المهاجرون إلــى الجحيم «لم يكن هناك وقت حتى للسؤال إلــى أين نمضي، فمنذ أن تتفق مـــع المهرب تسلم قيادك له، تصبح مثل كرة تركلها أقدامه حيث تشاء.. لا وقت للسؤال، ولا حتى للفهم.. تتحول إلــى مجرد فرد فــي قطيع يُساق حيث يشاء مهربه». وبعد رحلة وســـط الموج وأنين البلم بأثقاله وتعرضه للتمزق وتدفق المياه داخله وجهل السائق، وتدخل الراوي همام لإنقاذ الموقف، يرافق كل ذلـك خوف ورعب وموت يلوح فــي الأفق، وصلوا إلــى شاطئ جزيرة يونانية بعد انفجار البلم عــلـى صخور الشاطئ، وسقوط الركاب بعضهم فوق بعض.
حياة برسم الأمل

ومن الجزيرة اليونانية، بدأت رحلة ثانية مــن العذاب وهدر الإنـســانـيـة »فقد كنا فــي صميم موسم خيبات الأمل المتوالية منذ غادرنا حدود الوطن محملين بأحلام وردية ظننا معها أننا سنمشي لاحقا عــلـى بُسط مــن سندس، وسنتكئ عــلـى مفارش مــن حرير، لكن صراخ العسكري، وهو الوجه الأول الذي قابلناه منذ عبرنا إلــى الضفة الثانية مــن الـــعــالــم، أوحى إلينا أن تلك الأحلام قد لا تكون أكثر مــن أضغاث موجعة». ومن مكان إلــى مكان ومن تفتيش إلــى تفتيش ومن عبارة إلــى سفينة إلــى حافلات، حطوا رحالهم فــي مخيم بعيد عـــن أثينا، فــي مبنى قديم خارج الخدمة، كان فيما مضى مستشفى للمرضى النفسانيين، كمحطة لرحيلهم إلــى دول أخرى، ولكن فوجئوا بأن جدرانا عازلة أقيمت بـيـن اليونان وجاراتها، يحول بينهم وبين وجهتهم، فانكفأوا عــلـى أنفسهم، يقتاتون عــلـى أحلامهم، انتظارا لقرارات الدول المستضيفة للاجئين التي أشهرت فــي وجوههم الأعذار والمبررات الواهية التي تتنــافى مـــع تصريحاتها السابقة واستعدادها لاستقبال المهاجرين »اليوم تتخلى أوروبا عـــن كل شعاراتها الرنانة وتحجزنا خلف أسوار حديدية كما تُحجز الحيوانات، لكنها لم تنتـــبه إلــى أن هذه الأخيرة تُحجز فــي حدائق الفرجة، بينما نُحجز نحن فــي العراء! ؟».
فــي المخيم يعيشون فــي ظروف قاسية، حيث وُضعت كل أسرتين أو ثلاث فــي غرفة لا تتجاوز مساحتها خمسة عشر مترا مربعا، وخدمات سيئة، وإدارة يونانية عرفية. تظاهروا واعتصموا واحتجوا وكتبوا وتحدثوا للوفود الزائرة دون جدوى، فقد هربوا مــن الموت إلــى الموت!.
الظروف القاسية وفقدان الأمل وموت الأحلام محكات للبشر، وغالبا مـــا تؤدي إلــى تغيرات لم تكن فــي الحسبان »ليس هناك أشد وطأة مــن انكسار الأمل، فهو يغرقك فــي الحزن إلــى حد الاعتياد، ويغلق الأبواب فــي وجهك، ويطفئ كل الشموع الموقدة فــي طريقك ويحولها إلــى ظلام تتيه فيه الخطوات وتضيع معه البوصلة».
ياسر الذي كان مصدر المرح والضحك، تحول إلــى شاب كئيب صامت يلوك ألمه وحيدا »كان المكان يتحول إلــى غول يلتهم ضحكاتنا وطموحاتنا، ويقتلنا بكل الهدوء المتاح واحدا إثر الآخر، يتصيّد أجملنا بلا استعجال، وينتقي بكل العناية أولئك الأقدر عــلـى نثر التفاؤل فــي دروب الآخرين، كأنه يتعمد إطفاء البقية الباقية مــن جذوات الأمل فــي نفوسنا».
أما نجاح التي أوشكت أن تنفق آخر نقودها، فقد فكرت بامتهان الدعارة لولا أن أنقذها همام فــي أول طريقها، ووفر لها عملا كريما. وسعيد قرر أن يعود وأسرته أدراجهم إلــى سوريا، مما أثار الاستغراب »رحت أتساءل: كيف يمكن لمن عبر برزخ الموت أن يقرر بملء إرادته العودة إلــى نقطة البداية؟ وأتصور حجم الإحباط الذي ناله حتى عزم عــلـى العودة إلــى يفر ناسه مــن الموت فيه»، أما همام فقد طلق الكامب وأقام فــي أثينا حيث امتهن رسم الوجوه وكشف أسرارها.
اختتمت الرواية بالوعود المجترة للدول المستضيفة، التي لم يعد يصدقها أحد، وبقاء الحال عــلـى مـــا هو عليه، اللهم إلا مزيدا مــن المرارة وقلة الحيلة ويباس الأمل »هل عبرنا برزخ الموت لنعاني ولادة متعسرة، ونقف فــي عنق الرحم، فلا نحن غادرناه لنبصر النور، ولا نحن بقينا مطمئنين فيه؟!
بدا الأمر كأننا مجرد أوراق غادرت أغصانها وسلمت مصائرها للريح تلهو بها كيف تشاء، وتودعها فــي رحلة أخيرة تنقلها إلــى البعيد».
فــي داخل الرواية روايات وحكايات، فلكل حكايته، فمنهم مــن يروي ومنهم مــن يكتم؛ روى همام لنجاح قصة حبه لحياة التي أصبحت خطيبة لأخية الأكبر، فخذل حبه وهرب.
وروت نجاح لهمام قصة يتمها وتحكم زوجة خالها بحياتها وتزويجها مبكرا لجندي فقدته بعد شهرين، ثم خطبتها لشاب فــي السويد. وروى ياسر مغامراته فــي أثناء دراسته الجامعية التي أضحكت الحضور وبثت فيهم بعضا مــن حياة افتقدوها منذ زمن طويل. وفـــي مونولوج استذكرت سميحة معاناة الناس وفقرهم مــن خلال مـــا رواه أبو سليمان صاحب البقالة، واسترجعت رحلة العذاب والخوف مــن سوريا حتى وصلت إلــى إزمير.
تعجز الكلمات عـــن نقل حقيقة معاناة المهاجرين وآلامهم ومشاعر القهر والإحباط واليأس، ولكن الدعفيس نجح بوضعنا فــي صورة هذه المعاناة ورحلة العذاب، بلغة شاعرية، وصور موحية مؤثرة، فحولنا مــن مُـــراقــبـيـن إلــى مشاركين نتألم لألمهم ونحزن لمصابهم، ونشاركهم الخوف والترقب!
٭ كاتب أردنيhttp://www.alquds.co.uk/?p=908493

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق