بلَمْ مهترئ ضعيف يحمل هروب العرب عن القضية، باحترافية
الأدب العربي في رواية "البَلَمْ" للروائي السوري محمد الدعفيس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ مدخل:
لم يكن في ظنّي بكل هذا القدر، أن الحزن عندما يعرّش
له مكانا في القلب والوجدان أنه ينمو دون أن ندري ما يحدث في باطننا، نعم أدري حالته
عند الولادة يصرخ ونصرخ معه بكل ما أوتينا من قوة الشعور، وفجيعة الإحساس بالفقد، ولكن
عندما يسكت ويغفو بنا للنوم سويعات، ثم تمتد أياما وشهورا وربما سنوات، ثم يعود ويتكلم
في رصانة الناضجين يكون أوعر وأحرق، وإن خرج صوته همسا. وإن طال الوقت بنا معه وسكت
صراخه، لا لأن خمد بداخلنا ولم يعد له صوتا، ولكن ليعيد رسم معالمنا في أعين الآخرين
وفي مرآتنا اللحظية المتعجلة لأخذ لقطة لوجوهنا كل صباح، ينتهي به المطاف عندما يظهر
في ذهول أعيننا، وتكسرات الوجه بتعريجات ألمه، ونبرات أصواتنا التي خفتت قليلا متلونة
ببحة الألم، ويورّثنا السكات طبيعة، وحبّ الخلوة وتدفق الذكريات، والسهم عند لقاء الأحباب
والأصدقاء، ولم نسلم من يديه القويتين لانحناء ظهورنا وحركاتنا الثقيلة تفتقد للهمّة،
ومخالبه تيبس جلود وجوهنا لم تعد مرنة للابتسامات وغير قابلة لسعة الضحكة..
فإن كتب الكتّاب وعبروا عن حزنهم المارد القابع
في نفوسهم استطاعوا التحكم فيه، وينقشونه على أوراقهم كما يحلو لهم، لكنه يفوح في ثبات..
في وعي، يبرهن صرخاته وأنّاته.. حزن يكلّم الآخرين، يحذرهم منه، ينقل لهم ألف وجه وصورة
تعكس ألوانا متعددة من الشجن، وهو يعزف بداخلهم نغمة الصبا لتكسر في نزعاتهم الهزل
واللامبالاة..
فرواية "البَلَمْ" للكاتب السوري محمد
الدعفيس، هي صرخة ألم في وجه الإنسانية والعالم بأسره، لم تكن مجرد رحلة لحفنة من الأفراد
والأسر فرّت من هرس عجلات الحرب في بلادهم التي تهرس وتفتت كل الأرواح وتجور على المنازل
والمباني وكل أخضر ويابس، وكل حيّ صامت خاضع ساكن قانع، واختاروا لأنفسهم رحلة الهرب
التي لا تقل خطرا وهولا عن أهوال الحرب، والقتل والدمار والهلاك عبر البحر والغابات
المخيفة القاتلة في فلاة ممتددة بلا نهاية ولا خريطة مٌهدية، وكأنهم طواعية دخلوا بطن
الغول المتمرد الثائر في طبيعته، لأجل حلم يثور ويجول بهم في مخيلة رؤوسهم، مجرد نداء
حليم رحيم رنان في نبرته يطيب للنفوس التي تطلب الراحة والآمان حتى ولو من أجل أكبادهم
الصغيرة التي تتسكع وتتألم بين أرجلهم في رحلة الموت الجديدة المختارة طواعية..
ولكن هي في الحقيقة جزء من مخطط المؤامرة للاتحاد
الأوربي والغول الصهيوني، والتخطيط الدولي ضد العرب، وإن صدقوا وتحملوا أعباء بعض تفاصيلها،
لأن المخطط كبير في مراحله ومنهجه، إشعال الفتنة في الداخل، تجبّر السلطة وحرصها على
البقاء وحماية نفسها بكل ما أوتيت من قوة، عندها تقوم الحرب، فارق القوة بين المتصارعين
يتيح الفرصة لتدخل أوربا وأمريكا بقوتها العنترية،
يتنازعون فيما بينهم على فرض السلطة والحصول على الغنائم، تتشرس الحرب، يتم التهجير،
ولجوء المواطنين إليهم، في النهاية تكون الغنائم كبيرة ومتعددة، الحصول على مقدرات
الدولة في الداخل، فرض الولاية على الحكم، محو الدين والعادات والتقاليد، تلوين العرقية
العربية بحقن الدم الغربي وعاداته وتقاليده وطقوسه وحضارته الزائفة، أما في الخارج
-داخل بلاد العرب المهجرين- فالمكسب أكبر، يتم العكس حقن الدم الغربي بالجين العربي،
الجين المتوالد الخصب، المرأة القوية الولّادة، والرجل الخصب، وأعمار الشباب تزيح معالم
الكهولة على شيخوخة أوروبا وتصبغها بالحيوية والنشاط وتغزو مسارح الأعمال الهائلة،
وتنشأ الأطفال في هذه البيئة، وفق قانون أوروبي صارم لا يعرف التهاون والوساطة..
هذا هو الهدف الأكبر لكل النزاع العربي على الساحة
العالمية، وجوهره الجور والاستعمار بشكله الحديث والقديم، جور فصيل على فصيل، الأول
بعد تورمه من غزواته الاستعمارية، أخذ أحسن ما في الثاني –الترابط العائلي والأسري،
وعادات الدين، وعلمه- فتوقف ليبحث ويقرأ ويتعلم، وأراد بالقوانين المادية والعلمانية
أن ينتصر على تعاليم الدين، زعما منه أنه من منطلق الديمقراطية الشفافة والحرية خلق
مجتمعا حرا منضبطا وفق القانون، فتقدم بوقود العرب وثرواته، والفصيل الثاني الفقر والذل
جعله يتخلّف ويتنكر لعاداته وسلوك دينه، ولكن المجتمع الغربي الصهيوني مازال يرى في
تركيبته الجينية القوة، ولم يستفد من خير أرضه ومدخراته لكنه مملوءا بالخصوبة، والأول
يعاني الكبر والشيخ في الأيدي العاملة والتفكك الأسري..
أما الهدف الأسمى تغيير خريطة العالم وتقسيم الشرق
الأوسط، والقضاء على العرب، وإخماد ثورة الفصيل الإسلامي ليبقى خاضعا هامدا مستكينا،
ويا حبذا لو إلغاء الدين..
هذا ما نراه يحدث الآن بصورة جليّة متعجلة..
إن العمل الأدبي الرابح الخالد، هو من يقول بين
سطوره الكثير الكثير، ويجعلك تفكر وتحلل، وتضع يدك لتتحسس الجرح الخامد فيك كذبا، وهذا
ما رأيته في رواية "البَلَمْ" كما رأيت الاحترافية العالية التي تسمى أدبا
في الكاتب محمد الدعفيس، ورأيت نور فكره وثقافة العالية مزروعة في أرض روايته في إتقان..
2ـ الفكرة والموضوع:
الحداثة هي أن تتكلّم بلسان يرصد الواقع الحالي
بأدواته وعناصره، أن تعبّر عن ملكاتك بسلوك يتوافق والواقع من حولك لحد يصل لمرحلة
الهضم الكامل، وتجعلك منتميا متلائما..
فإن كاتب اليوم إن لم تسجل كتاباته الواقع من حوله
لحظة بلحظة، وتشعر أنه متشابكا معه ومعك، يأخذ منه ويعطيه في تبادلية فطرية لا تمل
الدوران، وانعزل في برج عالٍ يحفر في مخزون نفسه الثابت، فكأن كتاباته كزبد البحر تذوب
في موج التاريخ المنسحب العائد لسكون البحر، ولا يبقى لها وله عمرا..
هكذا كتّاب مثل الدعفيس، لم تكن كتاباتهم تعبّر
عن ذاتية توحّدية منفصلة عن الواقع من حوله فاقدة بوصلة التواصل..
عندما يئن، يئن أنينا جمعيا اجتماعيا، ومخاض الولادة
للبطن المتخم بالكتابة تدل على بلورة الفكر، وآن اكتمال جنين العمل الأدبي الإبداعي،
وشُكلت بداخله معالم الوليد من رأس وجزع وأطراف، ورُسمت القسمات والمعالم في مراحل
التأليف قبل القلم والكتابة على الورق..
من نتاج فكرة أرادت أن تكون صرخة في وجه العالم
الذي يدّعي التحضر والتلويح برايات السلام الاجتماعي والسلم والأمن لبني الإنسان كافة
على الأرض بشعارات زائفة، أرادت.. فكرته الأم أن تقبض بيد التحدي القناع المصطنع للشعارات
الرنانة من على وجوههم وتلقي به في الأرض لتظهر للمكلومين المخدوعين وجوههم الحقيقية
البشعة ليدركوا خطاهم ومصيرهم.
إلى هذا الحد تبدو هذه الفكرة مغلقة وعصيّة على
الإبداع الأدبي السلس في سياق قصة. رواية تمتع وتفيد، والأديب المحترف حرّ في أفكاره
ونوازعه التي تتخبطه في الداخل، صانع ماهر يجيد التوظيف والترتيب والتخطيط، آن ثورة
منيّ الفكرة في أعصابه يعدّ لها الوعاء الذي يقذفها في داخله -الموضوع- فيتم التلقيح
بنشوة وميراث خبرة، لحين الانتهاء من مرحلة التكوين -التأليف- ويأتي أوان جني الثمار وولادة الوليد..
فكان الموضوع حانيا آنيا، حدثا متكررا كل يوم في
سائر بقاع الأراضي العربية، ناقوس يدق مدويا، يتظاهرون الغرب من مرآه أنه يؤرّقهم ولكنه
بغيتهم، ويلتاع العرب من رؤيته، ويدق في أذهان دواخلهم طبول الخطر والفناء..
فصاغ الدعفيس فكرته في قلب موضوع عبارة عن رحلة،
باتت تسمى رحلة الموت البارد، لأنها باختيار أفراده المتصوّرة أنها مجبورة عليه، رحلة
هجرة إلى الغرب عن طريق الحدود عبر الصحراء والبحر العاتي الذي آن ثورته يلتهم كلّ
حيّ.. يكشف فيها العنان لأولاد أفكاره المتناسلة
من الفكرة الأم، يصوّر الوجوه والأماكن، وفرضية الواقع ومقتضياته، نرى الأماكن التي
أخذت شكل وحال ساكنيها، بوصف سردي ولا أمتع، سماسرة التهجير في بلاد بعينها بين الحدود،
تبدأ من حدود البلد المنكوبة والبلاد المجاورة إلى حدود أوربا، بسحناتها وتركيبتها
النفسية والسلوكية تنم عن الخطر والبشاعة، بتصرفات لا تتبدل ولا تتغيّر عن سلوك فكر
المغتصب، والأحياء والميادين والمنازل والملابس والسحن التي تلوّنت بزفارة أنفاسهم..
والفصيل الذي يطلب الخدمة -خدمة التهريب- بين
أفراد وجماعات وعائلات، وتركيبة شخصيتهم الفائقة الصنع، تضج وتصرخ بأفكار الرواية الفرعية،
وراء كل منهم حكاية لفكرة الهرب والتخلّي، شباب وشابّات، ونساء ورجال في عزم الحياة،
وتصوير فرضية الواقع تصويرا حيّا حقيقيّا، يجعلك تتوقف في مشاهد ذكريات الأفراد الخاطفة،
وتقيم المقارنة اللاسعة بين حالهم وذواتهم وسلوكياتهم قبل نشوب الحرب والجور عليهم،
وترى فيهم النقاء، وفطرية الآدميين، وتقبل الواقع القدري والتكيّف معه، ونتاج فعل الظلم
والقهر من أيدي الحاكمين الذي يخلو من الهوادة والرحمة، سلاحه يقتل بشكل عشوائي غشيم،
هنا يصرخون ويضجون ويطلبون الفرار والنجاة، وبين تصرفاتهم وسلوكياتهم أثناء الحرب والخضوع
لفرضية الواقع، تلمح رويدا رويدا تغيّر السلوك والفكر، والتكيّف المفروض المجبّر، والانصياع
التام ليد المهرب التي تحركهم كقطع شطرنج، وذل العبد المستكين لسيده، فتخرج ذواتهم
الطيبة الفطرية مرهقة متعبة بزفرة حسرة أثناء الذكريات، أو محاولة التكيّف للمفروض،
وتلبية الأوامر لمن في يده سلطة التصرف في أرواحهم، وحرية نزعوها من جيوبهم سلموها
لهم طواعية مع نقود الرحلة، وبراعة المؤلف وهو يزيح الستار عن خيال الحلم الزائف في
النجاة، والاصطدام بالواقع المرير حتى بعد انتصارهم على البحر وخروجهم ناجين، وهم على
قيد خطوة تفصلهم على تحقيق مناهم والعبور..
هذا الحديث في الموضوع بكل هذه التفاصيل لنبيّن
في حدث درامي من خلال قصة في حدث عبارة عن رحلة، كيفية براعة المؤلف بغرس أفكاره المنبثقة
من الفكرة الأم على وجوه وحياة وسلوك بشر وتركيبات شخصية، وأماكن وجغرافية وطبيعة وتفسيرها
بعيون مختلفة، والتطوّر الدرامي بتكنيك حريف للشخصيات والحكاية حتى يصل بقصته إلى نهاية
الطريق، وقد زرعت في رؤوسنا ألف سؤال يحتاج التفكير والعمل على أنفسنا حتى لا تفاجئنا
الإجابات..
3ـ التكنيك الاحترافي ومهارة الصنعة:
أ ـ العنوان:
"البَلَمْ" في مفهوم الكاتب هو عبارة
عن قارب مطاطي ب موتور يحمل عشرة أفراد أو يزيد قليلا يغوص في البحر لمسافة وقوده،
ويتحكم في ذلك نوع الموج الذي سيغوص فيه في عمق البحر، والحمولة على كاهله، والريح،
كل هذا يتحكم في إتمام الوصول وإكمال الرحلة أو لا.. فنجد إنها معايير ثابتة لابد أن
يحسب لها حساب دقيق، ولكن جشع المتحكمين في الأمر، وعدم شرعية الرحلة، ورغبة وحماس
الهاربين، يجعل كسر كل هذه المعايير حتميا وفرضيا؛ فيصبح النجاة نادرا، ووصول الهاربين
لمأربهم قدرة من الله وحده..
لم يكن العنوان مجرّد بوابة النص للولوج منه إلى
متن العمل السردي، وفك شفراته، والإلمام بمحتوى أفكاره، بل هو أيضا دليل على الصراع
وإحداث المفارقة في حين التعامل الأول مع فكرة الرواية، ويأتي أحيانا مثَل إسقاطي على
رمز كبير يستحوذ على فكرة من أفكار الرواية، كما في رواية "البَلَمْ"، فالبَلَم
هنا يمثل وطن ركبه الشيطان يضج بمن فيه آن ثورته عليه، يفسد أمانهم، ويخلخل اتزان حياتهم،
ويقاومهم بكل ما عنّت له قوته من جبروت، ثورة هوجاء ليس فيها أي أمل للرشد، ما يحدث
في سوريا-البلد المنكوب الذي فرّ منه أبطال الرواية- والحرب الضارية فيها لا تهدأ ولا
تسكن، كما في بلاد عربية كثيرة الآن. أجاد المؤلف أن يجعل هذا البلم الذي ضعف وترهّل
إسقاط على وطن يتهاوى من يريد النجاة من مواطنيه فليفر منه هاربا..
في الفصل الثاني بعنوان "انهزام المدن"
يقول على لسان همام الراوي بطل الرواية: "حتى أنهم لفرط هذه الرغبة لم ينتبهوا
إلى البلم الذي كانوا يصعدون إليه قديما وأصغر بكثير من ذلك الذي وعدوا بأنه سيحملهم
إلى الطرف الآخر" وفي الفصل الثالث بعنوان "كفن ممزق" والعنوان يشير
إشارة واضحة على البلم، يقول السارد: "سقط البلم فجأة في هوة سحيقة بين الأمواج،
فانفجرت أصوات الجميع برعب، وأعادتني من شرودي.. صار مثل ورقة صفراء سقطت من شجرة يابسة
في مهب ريح خريفية عاصفة تأخذها في كل صوب وبلا هوادة" وقالت إحدى الركاب:
"ـ أشعر كأن شيئا تحتنا كُسر؟ نهرتها سميحة على عجل، وردت شبه هامسة: ـ صه.. إياك
أن تعلني هذا، لو فعلت قد نموت جميعا.. ابقى صامتة وكأن شيئا لم يحدث..... وصلني ردها،
وأيقنت أنها على صواب، فلو علم هؤلاء المتكوّمين فوق بعضهم، المسكونون بالرعب أن لوحا
خشبيا كُسر من بدن البلم الذي يكاد يحملهم، لانتابهم هلع لا يمكن التكهّن بنتائجه،
وربما عمّت الفوضى، وداسو بعضهم بعضا بالأقدام في محاولتهم للتشبث بالحياة"
"بدأ الماء يتسرّب رويدا رويدا إلى باطن البلم، والسائق الذي يتولى إدارة دفته
ما زال يناور به بعبث من تولى القيادة لأول مرة، فينزلق به يمينا ثم يسارا كأنه طفل
يلهو بلعبة لا يجيد توجيهها"..
ـ تركيب الشخصيات:
من أبرع الطرق الذي يخلق فيها المؤلف -أي مؤلف-
طريقة للخوض في مسيرة موضوع قصته، أن يقوم بخلق شخصيات العمل من خلال الأفكار الفرعية
للعمل المنبثقة من الفكرة الأم، إذ يبنيها في خطة العمل للرواية أثناء تأليف عمله قبل
الكتابة، يجلس مع شخصياته جلسات منفردة أثناء خلقها من خلال فكرة رامزة بعينها، ومن
خلال قاموسه الحياتي ومعاشرة الناس يختار شخصياته بكريكتراتها -نمطها الاجتماعي والسلوكي
والفكري- أي يقول لنفسه هذه الفكرة أليّق بها هذا النمط من شخصيات الحياة، ثم يقوم
بتوظيفها خلال أحداث قصته، ويخلق لها دورا محددا يتيح لكل شخصية أن تنقل فكرتها كاملة..
ولعلنا نجد في شخصيات رواية "البَلَمْ"
هذا التركيب الفني المحكم، همام السارد التي تدور أحداث الرواية على لسانه، وينقلها
لنا من خلال عينيه، وأحاسيسه الخاصة، دور السارد ساعده كثيرا ليتحدث عن الشخوص والأحداث
بحرية، وينقل أفكار الكاتب كاملة، ويقيم مع نفسه مونولوجات حوارية نفسية تبرز شخصيته،
وتعرفنا على نمط الفكرة التي خلقت الشخصية من أجلها، هي ترمز للشباب البكر الذي لم
يختبر في صراع حياتي مؤثر يطلب منه القرار أو رد الفعل، فتضعنا الشخصية على أول صدمة
حياتية تحدث لها، بفراق محببته قريبته وبالتخلي عنها والهرب منها بعد أن اتفقت العائلة
على خطبتها لأخيه الأكبر، ويعظّم مشكلته بالعادات والتقاليد، التي ترفض الحب ولا تعترف
به، فالبنات والشباب ليس لهم الحق أن يعلنا حبهما، وهم في حرص دائم على إخفائه أمام
العائلة، فالعرف لديهم يقول أن البنت لابن عمها الأكبر، الأكثر تأهيلا للزواج، فأحيانا
الذات تثور على هذا القيد، وتوّلد الخيانة، والهرب، فيشعر همام أن الحل لديه الفرار
من حدود الوطن، فيشعر بالتخلّي والخزي والاستسلام..
ثم شخصية ياسر الشاب المشحون بالألم كان يرمز به
على المثابرة والمرونة والقدرة على تحمل الأعباء بروح باسمة مرحة، تسرّي عن نفسها قبل
أن تسرّي على من حولها، شخصية ملؤها الثقة في القدرات، وعندما تتكاتف عليه قوى الظلم
من كل جانب تريد كسر أنفه، وتفلح في كسره داخل نفسه لينغلق، وينعزل عن العالم من حوله
لإحساسه بالعجز، وأنه لا يستطيع مساعدة أحد ولا حتى مساعدة نفسه. فيتحول إلى إنسان
سلبي.
وشخصية عمار الشاب الكفيف الذي تقوده أخته الصبية،
وسافر بها عبر رحلة الموت للحاق بأمه الذي حرم منها بجبروت الأب الذي أجبرها على التخلي
عنه وعن أخته الصغيرة، وكان يرمز به إلى البصيرة، وكان عمار مملوء بالبصيرة التي يفتقدها
المبصرون من حوله، ولكن عجزه في عماه الذي كان يجعله يتعثر وينهزم أمام أي عائق يحتاج
عين المبصرين، يصوّر الكاتب في هذه الشخصية قمة التحدي للعجز، وكأنه ينقل رسالة أن
الشباب طاقة قوية تتحدى أي عجز يعوقها.
وشخصية سميحة الأم لأطفال تصحبهم معها وزوجها في
هذه الرحلة الشاقة التي هي مراهنة على الموت، وشدة حزنها وفراقها على وطنها الذي كان
يوما آمنا تحلم أن يترعرع أطفالها ويكبروا ويتعلموا داخله، يظهر في شخصية سميحة مدى
الوعي الفطري لملايين الأمهات السوريات، ويحدث فيها المفارقة بين حبها لوطنها التي
نمت وترعرت فيه طوال حياتها، ولا تتخيل أن تتركه مجبرة، وخوفها على أولادها أن تفتقدهم
في الحرب الشيطانية التي لا تفرق، تحلم لهم بمستقبل آمن، وحرصها الشديد على تعليمهم،
وغرس حب الوطن فيهم رغم معاناة الرحلة، وتظهر أمام زوجها وأولادها القوة والتحدي وهي
تعاني من ضعف طبيعي كامرأة بسيطة تعيش حياتها في وطنها بأداء يومي بسيط تجري أيامها
مجرى العادة كبقية النساء ربّات البيوت، ولا يمر في أشرس كوابيسها أنها ستمر بهذه المغامرة..
يصوّر نوع من التحدي مع الذات نفسها والواقع الجديد الشرس..
وشخصية نجاح الشابة التي تعرضت للظلم وفقد الأمن
والأمان والحنان من بعد وفاة والدها وطردها الجد هي وأمها من البيت، وأخذهما الخال
لتخدم أمها في بيت أخيها، وهما يعيشان أسوء حياة لعبيد، من جبروت الخال وسوء معاملة
زوجته لها ولأمها حتى مرضت وماتت، وأجبرت على ترك الدراسة وهي تعاني ويلات الفراق لأمها
وفقد البيت، حتى خطبها خالها لرجل لم تعرفه، خطبها عن طريق أمه، وهو في غربته في بلاد
الغرب، وعندما بدأت الحرب جبرها خالها للسفر إلى خطيبها ليتزوجها هناك، وحدها بمفردها،
دون أي اعتبار لما يحدث لها من ويلات، وفرّت بجسدها تبحث عن خطيبها الذي تعمّد نسيانها،
بعد الصراع في رحلة الموت وعلى بلاط الأرض الغريبة كلاجئة لم يتوفر لها أدنى شيء، فصغر
حجمها في عينيها وفقدت الإحساس بكيانها، والجوع والحاجة يقطعان أحشائها، ففكرت أن تمارس
البغاء في الطرقات المظلمة حتى تجد مبيت، وتحصل على لقيمات تخرس جوع قاتل هائل من كل
النواحي، وعندما أنقذها همام في طريقه بالصدفة، كان عامل إيجابي بالنسبة لهمام ليثور
على سلبيته وجبنه، ويتخيل مصير محبوبته حياة، ويراها فيها، بينما تعترف له نجاح إنها
لم تمارس البغاء، ولم يلمسها أحد، وأن رغم وقفتها في هذا الطريق كمانحة متعة جسدية
للعابرين، أقرّت أنها لم تتحمل أن يلمس جسدها غريب، وتقاوم نفسها في أن يكون جسدها
سلعة لأي عابر مهما كان..
صوّر فيها الدعفيس الإحساس بالرخص والاستهانة والعجز
المفرط، وكأنه يصرخ في وجه العالم ماذا أنتم فاعلون لإنسان دوما في قهر متعاقب يبحث
عن السكينة والأمن واحترام أدميته؟.
الحقيقة أن كل شخصيات الدعفيس في الرواية كانت في
بناء قوي، يعكسون صورة حقيقية لمعاناة شعب، جاهد للحفاظ على أدميته بقدر، له سقف للتحمل
طالما يعيش في وطنه وبين أهله، ولكن عند التشريد والحرب التي تقطّع في جسد وطن وتحوله
هو والأهل والرفاق إلى أشلاء، حرب تراهن على محو إنسانيته ودمار لكرامته وأدميته، فهو
في حاجة لعون لإنسانية العالم للحاق به ومساعدته، ويكتشف كل ما يدعونه دعاة الإنسانية
هراء وشعارات فارغة، عندما تحدوا الفارين الموت واللجوء إليهم، كان تنكرهم واستعبادهم
وذلهم هي الفجيعة الكبرى.
فمعايير الفكرة التي أرادها الكاتب في شخصياته هي:
1ـ لابد للشباب على اختبار إرادتهم والمثابرة ومقاومة صرعاتهم، وتنمية
قدرتهم لتحقيق أهدافهم في الحياة، لأن لو لم يحدث ذلك ينكسرون، ويصابون بالتبلّد والإحباط،
وتتعطل قدراتهم ولا يستطيعون مساعدة أنفسهم والآخرين، وعندما يأتي عليهم حدث عام فارق
قوي في شدته، كما الحرب والهلاك والدمار يفرون منها دون أدنى فعل إيجابي للنجاة بأنفسهم
فقط.
2ـ إبراز العادات والتقاليد القبلية البدوية
التي تخضع فيها الأفراد لحكم الكبار، التي فيها كثيرا من الجور والقهر لحرية الشباب،
والفتيات والمرأة بشكل عام، حتى لم يطبق فيها شريعة الدين، وما يرضاه الله، وما كفله
من حرية للأنفس بشكل عام.
3ـ انكسار الشباب الخصب في أول مراحله على
خوض الحياة، الشباب الذي يجب تفعيله والاستفادة من قدراته.
4ـ استعباد وذل وقهر على أيد الحكام ومن
في أيديهم سلطة القرار لمواطنين وأفراد لا حول لهم ولا قوة.
ج ـ التكنيك والبلاغة:
لابد للرواية أن تمتع القارئ، ويرى نفسه في أحداثها
وشخصياتها، وتسمو بمشاعره في كل سطر وجملة، وكل صورة مشهدية، ويجد فيها المعلومة الثقافية
المتنوعة، وتقدم فكرة محترمة، إما تشغل بال القارئ تدور دوما في أتون عقله، وأن تكون
باعثة لفكرة يجب أن يفكر فيها، وتصب في قالب موضوع عبارة عن حدث يعيشه ويراه، حتى يصبح متلهفا لسماع قول الكاتب في أفكاره ويتأمل تصرفات
شخصياته، حتى تصل نهاية الرواية إلى رصيف النهاية ليعبره القارئ ويخوض حياته ببعاث
جديد..
فإن رواية "البَلَمْ" من الأعمال الأدبية
المهمة، التي تتحدث عن فكرة قوية، تنبثق منها أفكار فرعية حياتية تفيد الإنسان العربي
الحالي والتبصر الحقيقي لوضعه، واختارت موضوع يحدث كل يوم في معظم البلاد العربية،
تجسد فريقين فريق يفوز على طول الدوام وفريق ينهزم دوما مع فارق الامكانيات.. معبئة
بالمشاهد الحياتية الواقعية، وشخصيات حقيقيين، وأحداث تنقل بعين المحايد بلا زيادة
ولا تقليل، وتفوح جملها ومقاطعها بجماليات اللغة العربية وآدابها وبلاغتها، بمخزون
ثقافي لأديب يعرف مادة روايته، ضخ فيها كم هائل من المعلومات الصحيحة، وبحث، وقرأ،
وتعلّم من أجلها، حتى جاء مخزونه الثقافي يحقق الدرجة المطلوبة للعمل الأدبي، بالنسبة
للكاتب والقارئ:
إذ لابد أن يحترم القارئ الكاتب ويصدقه.
لابد أن يصل لمفهوم القارئ أنه يقرأ لكاتب على درجة
كبيرة من الثقافة يتعلم منه في قصة روايته، ويؤكد ويختبر معلوماته معه..
إن الأدب الروائي فن جميل مثير ممتع، لا يكتبه غير
أديب، ماهر في اختيار اللسان الذي يتحدث به مع قارئه -الأسلوب والسرد- فيخرج الأخير
منتشيا ممتلئا بالحيوية والنشاط والفكر الهادف..
تحية لكاتب روائي عربي، استطاع أن يحول معاناته
ومعاناة وطنه إلى فكر وبحث وثقافة وعمل إيجابي مفيد.. تحية للكاتب السوري محمد الدعفيس..
مختــار أمــين

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق