منذر الغزالي ـ ألمانيا
ستهتم هذه المقاربة بالمكان
الروائي وتطوره ليصبح فضاء روائيا، مخترقا بشخصيات الرواية، ومفعماً بعلاقات تربط
بين الشخصيات والمكان، وبين الشخصيات ببعضها في تنامي الحدث الروائي، لما للفضاء
الروائي، في هذه الرواية، من أهمية بارزة، بدءاً من عنوانها "البلم"
مروراً بأحداثها وسردها الذي عني بالمكان، بشكلٍ خاصّ، عنايةً فائقة.
وسيكون للشخصيات تعريجٌ سريعٌ،
وسأقف قليلاً عند رؤيا الكاتب في روايته، مستفيداً من تحليل بعض البنى في الرواية
التي تفيد غرضنا.
1. المكان ، الفضاء الروائي
"يا إلهي من أين نبع كل هؤلاء
البشر؟"
بهذه العبارة افتتح الروائي محمد
الدعفيس روايته "البلم" ليبدأ بعدها مباشرةً بتسمية المكان ووصفه
وتهيئته لدخول الشخصيات وعرض الحدث الروائي. منذ البداية يرسم الكاتب صورةً
للمكان، مكتظة، مزدحمة، ممتلئة ببشرٍ فاضوا على الأرصفة وفي المقاهي والساحات،
يسندون أجسادهم المنهكة على جدار متاح، أو على حقائبهم.
بدأت الرواية بتحديد المكان
الروائي، وهو مكانٌ لافت للنظر، ضيّق، مزدحم، مضطرب، وغير مستقر (الشارع، الأزقة،
المطاعم، المقاهي...) كلها أماكن تشير إلى عدم الديمومة وعدم الاستقرار، هي أماكن
عبور مؤقت، قد يطول زمنه أو يقصر، لكنها جميعها ليست ثابتة ولا مستقرة. ومن ناحية
ثانية، بعبارته الافتتاحية، وتلك الصورة التي توحي بالازدحام والاكتظاظ والإنهاك،
يشير إلى حالٍ كان في زمنٍ سابق لزمن الرواية، زمن لم يحدّده الراوي، ولم يشر إليه
مباشرةً، ذلك المكان هو الذي انتقل منه هؤلاء البشر الذين اكتظّت بهم شوارع إزمير
ومطاعمها ومقاهيها، وتلك الحال هي التي جعلت هذا النهر من البشر يفيض إلى شوارعها
وأزقتها وساحاتها، بمشهد بؤس وقهر، كأن الأرض نبعت بهم، ليشير إلى بؤسٍ أشدّ وقهر
أعظم، جعل هذه الجموع تفرّ إلى بؤسٍ وشقاءٍ آخر، رغم قسوته، صار هدفاً لهم.
باختراق الراوي (همام) للمكان بدأ
بإحياء علاقات إنسانية بينه وبين المكان، وبالتدريج بين المكان وشخصيات الرواية
الأخرى التي قدّمها تباعاً، ليتنامى، باختراقها المكان، الحدث الروائي، وتتشكل
خيوط الحبكة، وصولاً إلى زمنٍ في الرواية تدخل فيها الشخصيات كلها، ويكتمل المجتمع
الروائي، ويتحول المكان إلى فضاء روائي ممتلئ بشخصيات متباينة البناء شكلاً
ومضموناً، بعلاقاتٍ مترابطة، يجمعها هدفٌ واحد هو الخلاص.
نقطة البداية في بناء شبكة
العلاقات بين شخصيات الرواية كانت حادثة السيارة، حين يكتشف أحد رجال المهرّب بأن
هناك اشخاصاً زائدين في السيارة، وبدأ يجمعهم المصير المشترك لأول مرة، تتنامى هذه
الشبكة وتصل إلى ذروتها في رحلة البلم التي جمعت كل شخصيات الرواية الفاعلة، حيث
يصبح مصير الفرد مساوياً لمصير الجماعة في رحلةٍ لا خيار لهم فيها إلا الاتحاد.
في كلّ مكانٍ جديدٍ يصفه الراوي،
وردود أفعال الشخصيات ومشاعرهم، يضيف حالةً شعوريّةّ أو فكريّةّ تعبّر عن القهر أو
الإحساس بالسجن أو الذل والإنهاك المطلق الذي يصل حد تساوي الموت والحياة،
فالأماكن مغلقة: "حافلة سيارة شرطة، صالة رياضية، فندق..."، ضيقة، توحي
بالضيق الداخلي، والإحساس بالسجن وانعدام الحرية: "شاحنة صغيرة لها صندوق
معدني مقفل... بدأنا نتكدّس وهي تضيق بنا" ص17
حتى حين يكون المكان مفتوحاً
كالبحر، فإن توصيفه من قبل الراوي يعكس عليه ثنائية التسلّط/القهر، والإحساس
بالحصار. لاحظ دلالات الكلمات ضمن الأقواس في وصف الراوي للخليج.. "أغراها
دفء ما بعد العصر بالخروج نحو شاطئٍ قريب، شكّله (فضّ) البحر (لبكارة) المدينة
الحالمة التي بدا أنها (هربت) منه (فغاصت) عميقاً في البرّ مشكّلاً خليجاً
(سوّرها) غرباً وشمالاً.... تاركاً لها أن (تهرب) نحو المشرق كلما فكّرت في
التمدّد أكثر... وحده صوت الموج كان يعلو حين (يجلد) صخور الشاطئ أسفلهما، كأنه
يريد إعلان (سطوته على المكان)" ص26
لاحظ أيضاً دلالات الاتجاهات
غرباً، شرقاً، وإسقاطاتها السياسية، هي رؤية الكاتب يرويها همام في مقطعٍ وصفيّ
موظّفٍ أشدّ التوظيف.
2. المكان، صورة قهر الإنسان
المكان، في الرواية، هو صورة مشاعر
الشخصيات، والحيّز الذي تدور فيه سلوكاتهم وفي كل تلك الأمكنة تتسع دائرة القهر
ومعها تشتد قبضة السيطرة، بتنوع أشكال هذا القهر، وهذه السيطرة، لتشمل قهر
الطبيعة، وقهر السلطة، ممثلة برجال الشرطة والأحزاب اليونانية، وقهر الإنسان
للإنسان ممثلا بالمهرّب أبو عرب ورجاله، وقهر الفقر الذي دفع نجاح إلى القبول
بزواجٍ لم يطل، وزواجٍ آخر انتهى قبل أن يبدأ، وقهر العادات والعجز عن مواجهتها
ممثلا بقصة حياة وهمام، حياة التي أضاعها همام نتيجة ضعفه وعجزه عن مواجهة تقاليد
بالية تقول "بنت العم لابن العم".
وقد تم تجسيد هذا القهر وهذا
التسلط في مراحل مختلفة من تنامي الحدث الروائي، وسيرورة رحلة النزوح منذ بدايتها
في شوارع إزمير، وبذاءة وجشع المهرب ورجاله، واستكانة المهاجرين، وقبولهم
لأوامرهم.
وصف المكان من قبل الرواي لم يكن
مجرّد حليةٍ تزيبنية، بل شكّل إدماجه في الحدث الروائي بعداً آخر وسّع من مدلولات
الحدث، وصف، بشكلٍ لا مباشر وذكي، أحوال الشخصيات، وأحوال الوطن الذي هاجروا منه،
وأحوال المجتمعات التي تنقّلوا فيها.
في مستهلّ الرواية كان المكان
شارعاً ومقاهٍ ومطاعم، وساحاتٍ، ومساجد، وبشرٍ يتدفّقون، يفترشون الساحات... صورةٌ
لا تختلف عن صورة أيّ مدينةٍ في سوريا. لولا أن الضرورة الروائية تستدعي تسمية
المدينة، لتشابه علينا المكان، فإضافةً إلى وصف مجتمع تركيا (إزمير في الرواية)
التي لا تختلف كثيراً عن أي مدينة شرقية، فهي تعطي الاستمرار بين زمنين، حاضر هو
ما يجري على لسان الراوي، وماضٍ، هو ما يوحي به تشابه المدن والعادات. والشخصيات
في هذا المكان لا تختلف كثيراً عن شخصياتٍ يعرف أشباهها أهل البلد، وأساليبهم لا
تختلف عن أساليب تجار الظلّ، الذبن يتاجرون في كلّ شيء: سماسرة ، وبيع وشراء،
وأكاذيب، واختباء وتلاعب بمصير البشر.. هو القهر متشابهٌ في المجتمعات الشرقية،
قهر سماسرة وتجارة بطرق مذلّة لكرامة الآنسان.
الأماكن كلها غريبة عن الشخصيات،
وإن اخترقتها وتحركت فيها، ومارست حياتها، إلا أنها أماكن غريبةٌ عابرةٌ مؤقتة
(شارع، أزقّة، فندق، مطعم، مقهى...)، أو أماكن عبور: "سيارة، شاحنة، بلم،
عبّارة..."، حتى حين يكون المكان ثابتاً يكون الأشخاص داخله في حركةٍ قلقة
متوتّرة، مرحلةٌ تسلمهم إلى مرحلة، في طريق هجرةٍ من الموت إلى حلمٍ لم يصل نهايته
في الرواية، لتستمر حالة اللااستقرار وحالة الغربة وحالة البرزخ التي تمرّ بها
الشعوب ، حين تأكل أوطانها الحروب.
والأماكن مثل الأشخاص، قلقةٌ، لا
ثبات فيها، لذلك كثر حضور الحقيبة في السرد، سيما في المشاهد الأولى من الرواية،
كأن الحقيبة هي وطن المهاجر، يحمل فيها ذكرياته، ومأساته، وآماله وأحلامه.
وكما يصوّر المكان حال الأشخاص،
فهو عند الروائي الذي يدرك هدفه، ويعرف كيف يوظّف أدواته حتى طاقتها القصوى، صورة
المجتمع، يرسم من خلال وصف المكان مساحة الحرية في بلدان الشرق. لنتذكر وصف الراوي
للفندق الذي التقى فيه أبو عرب: غرفٌ ممتلئةٌ بنزلاءٍ على فرشٍ تفوح منها روائح
العرق الآدميّ، تنفتح على صالونٍ، أشبه بصورة حبس: الغرف زنازين، والنزلاء سجناء،
وأبو عرب المهرّب بجلسته وطاولته وسجائره كأنه محقق.
ومن خلال صورة المكان أيضاً يرسم
لنا الراوي قهراً آخر في بلدان أكثر تحضّراً، ساحاتها واسعة، مفتوحة للشمس
والهواء، لكنها، رغم اتساعها، محاطةٌ، دون اللاجئين، بأسوارٍ وحرّاسٍ من رجال
الشرطة. هو قهر آخر، قهرٌ تنظّمه قوانين حكومات، وتحكمه سياسات دول، قهرٌ تتنافس
في استثماره أحزاب سياسية في لعبةٍ ديمقراطية، لا علاقة لهؤلاء المقهورين بها.
أو يرسم صورة قهرٍ نفسيٍّ أشدّ،
يجري في شوارع أثينا المظلمة، التي تخفي عن العيون صراعاً أخلاقيا فرضه قهر الفقر
وغياب السند الإنساني، حين وقفت نجاح، في زاوية مظلمة من أحد شوارع أثينا تصارع
ذاتها بين بيع جسدها من أجل بضعة دولارات، أو الحفاظ على كرامتها الإنسانية، وهي
لا تملك ثمن غذائها، في صراعٍ حادٍّ، أنقذها منه همام في لحظة ثورة داخلية، انتصر
فيها لضعفه، ورمّم خسارته لحياة بإنقاذ نجاح.
يصل توظيف المكان في وصف حالة
القهر والذل الإنساني إلى أقصى مداه، في ذينك المشهدين المتناقضين في ساحةٍ من
ساحات اليونان، وفدٌ أمميّ يطلق شعارات التعاطف مع المهاجرين، تحت وميض الفلاشات
وحراس الأمن، وفي مكانٍ قريب، يسقط عمار الكفيف بين قاذورات الحمامات، وأخته
الصغرى لا تملك إلا البكاء وهي تزيل عنه بكفها بعض ما علق به.
ويعكس المكان القهر في أقسى صوره
وأكثفها خلال رحلة البلم، حيث يظهر همام، ذاك الذي جعله ظرف طارئ قائداً لقاربٍ،
مكتظٍ بجموعٍ خائفة، تتقاذفه أمواج البحر، متحكماً ومسؤولاً، بنفس الوقت، عن حياة
العشرات، هم مجتمع الرواية، بالمعنى الحقيقي للتحكم، وجعل هؤلاء المقهورين
المكتظين بخوفهم في قارب مطاطي مهترئ تكسّر أسفله ، راضين بقهرهم، متشبثين به لأنه
السبيل الوحيد لنجاتهم.
3. شخصيات الرواية، قلق المصير
شخصيات الرواية قلقة، خائفة، تتميز
جميعها بالخضوع، بل بضرورة الخضوع، بعد أن أصبح الخضوع هو أحد السبل الضرورية
لتجاوز الموت.
ومن جهةٍ أخرى هناك شخصيات قاهرة
مستبدة جعلها الظرف المأزوم ذات سلطاتٍ واسعة، يصفها الراوي بأوصافٍ تدلّ على
التفاهة والوضاعة والانتهازية الجشعة، والمتاجرة بمعاناة المقهورين.
سميحة امرأة متعلمة، واعية، لم
يصفها الراوي مباشرةً، لكنه وصف أفعالها، وحركتها في مجتمع الرواية، وحرصها الشديد
على ولديها، ولعبة المفردات التي تلعبها معهما، وكذلك زوجها رضوان الذي اكتفى
الراوي بوصف أفعاله ودوره مع زوجته تجاه ولديهما اللذين كادا يغرقان.
عمار، الشاب الضرير الذي ينطق
بالحكمة، في سقوطه الفاجع في قاذورات الحمامات تبلغ المأساة أقصاها، في ذلك المشهد
الذي لا ينسى... أيّ مصيرٍ ذاك الذي انتهت إليه الحكمة!
ياسر، الشاب الجامعي، المثقف، الذي
اتخذ من السخرية فلسفةً في مواجهة الحياة، انتهى متكوراً على كآبته، يعاقر سجائره
بنهمٍ وصمتٍ متأمّل.
أما حياة، التي لم يكن لها حضور في
الزمن الحاضر للرواية، فهي شخصيةٌ رئيسيةٌ، ومحرّكة أساسية من محركات الحدث، هي
أزمة الراوي، أزمة ضميره، وأزمة حبه، وأقول بثقة أزمة انتماء... في المقاطع التي
يسترجع فيها همام ذكريات علاقته بحياة، لا تظهر الا في مجتمع طفولي، جميل، أو يحضر
معها بيت الجد او حكايات الجدة، والزهر والشبابيك المفتوحة. إن حياة الرواية، هي
حياة الوطن، حين يكون آمناً، هادئاً، بلا خوفٍ ولا قهر، الناس فيه يعشقون، وينتمون
لبيت الجدّ، وأحاديث الجدات، ويفرحون بالزهر، وطن شبابيكه مشرعةٌ على هواءٍ نظيفٍ،
تعبق من جنباته رائحة الطفولة والبراءة والحب.
نجاح، هي الوجه الآخر لحياة،
"صارت نجاح بالنسبة لي حياةً أخرى....." ص99
صورة أخرى للقهر الإنساني، هي ضحية
مجتمع يحكمه الفقر والجهل وغياب القيم الإنسانية. ونجاح، وقصتها في الرواية هي
عنصر التوازن في نفس الراوي، شكّلت، بإنقاذه لها، انتصاره على ذاته، وانتصاراً
لحياة، التي أضاعها، وبذلك كانت عنصر التوازن النفسي في روايةٍ حملت في كلّ
أحداثها وشخصياتها هزيمة الإنسان وقهره وذلّه، فكانت نقطة الضوء في عتم واقع
الرواية.
شخصية حياة هي المعادل الرمزيّ
للوطن الحلم، وشخصية نجاح هي المعادل الموضوعيّ لشخصية حياة، وإنقاذ همام لنجاح هو
المعادل اللاشعوري لإنقاذه حياة، هو انتصاره على ضعفه وخوفه وخضوعه. إذا كانت حياة
وطناً جميلاً ضاع، أو أضاعه الراوي بعجزه أو ضعفه، فإن نجاح هي جذوة الروح
وثورتها، وانتصارها لوطنٍ، رغم قسوة ما يحدث فيه، يستحق أن نتجاوز لا مبالاتنا
وعجزنا، كي ننتصر له وننقذه.
كان فصلا الختام في الرواية هما
فصلان لحياة ونجاح، لأنهما وجهان للوطن: حياة، التي أضاعها الراوي، فرحٌ وحبٌّ
وطفولة وبيت الجد وحكايا الجدات، ونجاح هي استعادة نفسٍ مهزومة، وانتصارٌ على
الذات، وتعويضٌ عن خسارةٍ كبيرة، هي شعلة الأمل التي تركها الكاتب في ختام روايته،
بتلك النهاية المفتوحة، التي أراد أن يبعث من خلال حضورهما، شيئاً من الامل واراحة
القارئ الذي صارع على مدى مئة صفحةٍ سابقة من مشاعر ضاغطة على روحه، النافذة التي
تركها مواربةً ليدخل من خلالها نسيم الأمل.
4. الرؤيا بين الراوي والروائي
همام، لسان الروائي، وحامل رؤاه،
والناقل لأحداث الرواية، هو راوٍ اختار موقعه من الخارج، اقصد من خارج الشخصيات،
اكتفى بتصوير حالها وسلوكاتها وتعبيراتها وحركاتها وأقوالها، دون الدخول إلى
أعماقها، لذلك لم نجد في الرواية، إلا بالنادر، أيّ حديثٍ داخليّ أو مونولوجا لأي
شخصية، باستثناء الراوي، ولم نقرأ في السرد أفعالا من قبيل "فكر، تساءل، قال
لذاته، همس في داخله...." إلى آخر تلك الأفعال التي تنقل البؤرة من الخارج
الى الداخل.
مهما حاول الراوي أن يبدو حياديا
في سرده للرواية إلا أن توصيفه للشخصيات ، وردة فعله وأفعال الآخرين التي يرويها
لنا تفضح تلك الحيادية الظاهرية، فللراوي موقف نستشفه في وصفه للأماكن والشخصيات
واختياره لمواقف بعينها لأفعال الشخصيات الأخرى ليرويها لنا، كلها تعبر عن انحياز
الراوي وموقفه مما يجري، وهذا بدوره موقف الكاتب الروائي المستتر خلف الراوي.
ومواقف الراوي، وأقواله، أو أقوال الشخصيات التي ينقلها لنا، هي أفكار الكاتب ورؤاه.
نقرأ بعضاً من هذه الرؤى:
"نحن مجرّد أوراق يلعبون بها
حين يريدون" ياسر ص20
"نحن تماماً كالماء لا نملك
من أمرنا إلا التدفق إذا فتح (الصنبور) أو الاحتباس إذا أغلق" ياسر ص 21
"يبدو أن لكلٍّ منا حربه التي
يفرّمنها" عمار الكفيف ص60
"متى كنتم ترون الأشياء الجلية
التي أمامكم؟" ياسر ص63
"كان المكان يتحوّل إلى غول
يلتهم ضحكاتنا وطموحاتنا، ويقتلنا بكل الهدوء المتاح واحداً إثر الآخر، يتصيّد
أجملنا بلا استعجال، وينتقي بكل العناية أولئك الأقدر على نثر التفاؤل في دروب
الآخرين" همام ص91
"كيف يمكن لمن عبر برزخ الموت
أن يقرّر بملء إرادته العودة إلى نقطة الصفر؟" همام ص93
"يموت الحب إن لم نقاتل
لأجله، ويصبح مجرّد حكايةٍ من الماضي حين نصير حياديين تجاهه..." همام ص116
5. العنوان، وطن مكسور
رغم أن البلم هو عنوان الرواية،
إلا أنّ زمن حضوره الروائي قصير جداً لم يتعدّ أربع صفحات، يحضر فيه جميع الشخصيات
الفاعلة في الحدث الروائي، كثّف فيها مشاهد الاضطهاد والخضوع، من جهة، ومن جهة
أخرى السطوة والتحكم بمصير الركاب.
إن البلم ليس مجرّد مكانٌ روائيّ
يحمل المهاحرين، في رحلة تحفّها المخاطر في كلّ حين. هو وطن المقهورين، الخائفين،
الفارين من قهرٍ أشد. هو الأمل المتبقي لهم، الحلم الذي سيحملهم في برزخ الانتقال
من حال إلى حال، حلم العبور إلى الحلم.
كذلك هو أي إنسان جعلته الصدفة
يمسك بقبضة المحرك، فيصبح متحكما بحياة وموت الجموع الخائفة، الراضية بتسلطه، في
خيار وضعتهم فيه معادلة قاسية بين موت أو خضوع.
في زمن الحروب يصبح الوطن قارباً
مطاطياً صغيراً، يضيق بركابه، بدأت جوانبه تتكسّر، تتقاذفه الأمواج، للحياة فيه
فرصة وحيدة، تحكمها حركة الموج، ومزاج من يمسك دفة المحرك.
في أوطان الحروب يصبح من تقوده
الصدفة، أو القوة إلى قبضة المحرّك آمراً ناهياً، يملك في قبضته موت الناس
وحياتهم، ويصبح الجميع خائفين، يجلسون على حافة الموت، متكومين فوق بعضهم، غارقين
حتى أعناقهم، والموت يمشي معهم في كل موجة..
في مجتمعات الحروب يصبح القهر
اعتيادياً، ضرورة للبقاء، ويصبح السكوت على خراب القارب، واجباً، كي لا يغرق
ويغرقهم. تصبح أي كلمة أو حركة في غير محلها سبباً للموت، ويصبح البشر المحشورون
فيه، الغارقون حتى أعناقهم، مجتمعين على مصيرٍ واحد، ممتنين لأوامر الممسك
بالقبضة، راضين بسطوته وتسلّطه، لأنهم، في لحظات الموت المحدق، يتوهّمون أن من
يمسك بيديه الدفّة يمسك معها موتهم وحياتهم، والإذعان لأوامره هو الوسيلة الوحيدة
للحياة.
منذر الغزالي
بون 12/11/2018

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق