الاثنين، 19 نوفمبر 2018

سهيلة حماد تقرأ غلاف ومتن رواية "البلم"




عين التفاصيل


تلقيت الرواية، على أن عنوانها "البلم" وإذا بي أقرؤها "سلم "، و صورة غلاف لجزيرة زرعت رؤوسا وسط عباب بحر وعتمة !!!.
دققت النظر أكثر فإذا هي: فعلا" البلم " جاء العنوان مكتوب بالأبيض، بأحرف كبيرة وسميكة، على أقصى اليسار، كأنه ترويسة لمقال، يحده عمود:
*لسلم ربما...
*أو لمرسم...
*أو لقضبان سجن ... وقبضتي سجين ...أو سجان...
آخر حرف الميم، يتكئ على أعلى قبضة، يد يسرى لأحدهم ، تمسك بالعمود، بكل قوة، وتقابله من الطرف الآخر للغلاف، أي من جهة الظهر، قبضة اليد اليمنى، تمسك العمود المقابل الموازي.
يظهر اسم الروائي بأحرف صغيرة، بالكاد يقرأ، كتب فوق العنوان على غير العادة ، وكأن المصمم تعمد طباعته، على أول درجة سلم، إذا ما اعتبرناه سلما. أو هو أعلى إطار مرسم، حتى لا يشوه المشهد.
أو ربما أراد أن يجعل الروائي في وضع مريح، ممدد ليقربه للعنوان ، ليمسح الفضاء، ليسترجع أنفاسه، بعد كل مشهد مؤثر، أو مأساة، ليمكنه من متابعة رحلة، ربما قد تطووول، ليتابع مسار شخوصه عن كثب.. ليسمع حديثهم.. وهمسهم.. ولهثهم.. ومناجاتهم.. ولكي يحركهم باقتدار.. ويلقنهم.. إذا ما نسوا كملقن، أثناء آداء عرض مسرحية، على خشبة مسرح، يتابع النص كلمة.. كلمة.. في كل التفاصيل، والجزئيات. أو كمخرج لعرض يدقق في كل تفصيلة.. وجزئية.. حتى لا تفوته أي صغيرة.. أو كبيرة.

المسرح في الرواية، يبدو أنه :
* مسرح حيوات.
*والخشبة :
_بلم
_موج
_ بحر..
_وأديم أرض.

*الفضاء مفتوح لا سقف له سوى سماء وغيوم .
*الزمان : غروب شمس، وحلول ظلام.. أو بداية شروق، وانبلاج صبح، وانجلاء عتمة.
*الشخوص: كأنها.. حارة..  قرية.. قد تضم كبارا وصغارا شيبا وشبابا.
*الاتجاه ، يبدو من الشرق إلى الغرب؟.
أو من الجنوب إلى الشمال؟..

*قائد الرحلة مجهول.
*ماذا عن حال بوصلته؟..
وخريطة طريقه؟..
*وماذا عن جاهزيته وكفاءته، وبماذا تسلح؟..
*وعن مرافقيه، الركاب المكدسون، أشباه القطيع من الغنم أو البقر !.. ماذا حملوا كزاد وزواد؟ .. ماذا في جرابهم؟..
في أذهانهم؟..
ماذا تركوا وراءهم ؟..
ذكريات!..
سراب!..
رائحة!..
أعمدة!..
أم خراب!..
أشلاء!.
أموات!.
أحياء!..
أم أشبااااه..
هدفهم..
طموحهم..
نضجهم..
تأهلهم..

وتأتي كلمة رواية :
*أسفل تحت القبضة اليمنى التي تمسك بالعمود.
*حرفان كتبا على البحر:
- حرف الراء
-وحرف الواو،
* فيما كتبت:
_الألف،
_والياء،
ـ والتاء، المربوطة
فوق العمود.

الراء : قد تحمل فكرة راية.. ورأي.
أما الواو: فهو وشم ذاكرة على البحر.
أما الثلاثة أحرف، التي نقشت على حاجز الإطار (العمود)، ماذا يقصد مصممها، من وراء ذلك؟.
الألف والياء: أهي، آي: صرخة.
والتاء المربوطة: ة: أتكون إشارة بأن الذوات باتت لاحول لها ولا قوة.. كحبة سبحة متناثرة؟.
أتراه أراد أن يشير بأن الرحلة لا تنتهي بعبور البحر والانتهاء إلى مرسى؟!، وأن الرحلة تنتظرها محطتين، عبر معبرين؟!، وسوف يعترضها حاجز محروس بقبضة من حديد؟!.
أهي فعلا ذوات مغلولة الإرادة والتفكير، مشلولة، سجينة وهم، وشعار زائف، ولعبة دنيئة، مدبرة، ذهبت ضحيتها ذوات. فمن أثر الصدمة تقوقعت على نفسها واختارت الصمت المهيب الرهيب.
وكأن في الأمممر (الأمر)
حدث جللللل (جلل).
قضية غامضة متشعبة.

نحن إذا أمام ثنائية، من ناحية، ومن ناحية أخرى نحن أمام ثلاثية.
المعادلة صعبة .
الطريف في الأمر، وأنت تنظر إلى الصورة والكتاب مفتوح تبدو كلمة:
* الرواية
تليها
*البلم
ثم اسم الروائي
*محمد تركي الدعفيس
على عمود، يتوسط القبضتين الممسكتين  بإطار المرسم، في شكل نازل، من الأعلى إلى الأسفل، بحيث توحي إلى الناظر، أن الرواية في منتصف الطريق سوف تأخذ منعرجا آخر وقد ينحدر مسارها.
وهذا الانحدار، هل هو هزيمة وتراجع وخذلان وتبدد أحلام، أم هو انحدار وتقهقر، (عزيمة واصرار)، وخيبة ذات وانكسارها، وتمرغ في وحل.. في قاذورة.. في عبث.. في لا مبالاة.. وعدم.. أم انحدار أخلاق.. ونزول إلى أسفل بئر عميقة.. من الرذيلة.. من الخساسة والموبقات، وتبرير لممارسات غير مشروعة.. وفقدان بوصلة أخلاق وقيمة، نتيجة، جرح واجتراح وفقد وخيبة أمل، وضياع وهروب من ماض وذاكرة.
بالرغم من أن الطريقة التي كتبت بها، جرت بها العادة، إلا أن طريقة تقديمها مطبوعة، فوق عمود المرسم، أوحى لي بهاته القراءة، ذلك أنها توسطت فضاءً بعينه محددة:
_سماءه
_يمينه
_ ويساره
خشبته:
_بحر...
_أرض...
وكأن المخرج أرادنا أن ننظر، ونتقيد بعدستيه، وأن نتأمل المشهد، مجزأً مفككا:
يمينا..
وشمالا..

البلم أين هو من العنوااان ؟!.
حقا بالكاد نراه، يطفو فوق ماء البحر، يبدو جزيرة .. ذلك أن حزمة الرؤوس أثقلته وسحبته إلى الأسفل... تصاب بقشعريرة وأنت تحدق فيه.. تصاب بغثيااان بصداااع... إذ تخاله يغغغرق أو هو يتهيأ ويتشهد استعدادا للغرق.
الرحلة تبدو.. غير شرعية.
إلى أين الوجهة يا ترى؟.
ما الأمر؟.

بقية العتبات
بعد حديثنا عن الغلاف، والعنوان، نمر إلى بقية العتبات، ونحاول أن نقارب بينها وبين ما سبق ذكره، في محاولة للربط، للتأكيد أو للنفي.
"تابلم" هي رواية تتألف من 119 صفحة.
تحتوي على ثمانية فصول مرتبة كالآتي:
1ـ فراش من كرتون
٢ـ انهزام المدن
٣ـ كفن ممزق
٤ـ في مهب الريح
٥ـ نفاق الشعارات
٦ـ حافة الهاوية
٧ـ رغبة شاهقة
٨ـ المرافئ المشتهاة، (يذكرني العنوان بسفر للدكتور وناس سعد" مدن الاشتهاء" )

نصوص التصدير:

إهداء:
١ـ  في شكل اعتراف بالجميل لوالده ووفاء يقول: "إلى الرجل الذي قرأت في عينيه عظيم فخره حين سطرت أول كتبي".
٢ـ إلى كل الناجين من برزخ الموت، وكل الذين تحطمت أحلامهم.

الشاهد:
١ـ مقولته كن دوما في صف المطحونين حتى تجد نفسك أجمل حين تنظر في المرايا.
٢ـ مقولة حمورابي كما بدأ قوانينه: "كي لا يؤذي الأقوياء الضعفاء كتبت الآتي "

٣ـ يختم بمقولة لسقراط:
"بعض الناس سوف يتركك ولكن هذه ليست نهاية قصتك إنما هي نهاية دورهم ."

عناوين الفصول:
١ـ فراش من كرتون: ينبئنا هذا العنوان، بطريقة غير مباشرة، بأن البلم قد يكون وصل إلى المرفئ، و بأن القادم لن يكون سهلا بدليل، أن الفراش من كرتون.
ولكن لم يتأكد لدينا بعد، أنهم تخطوا برزخا، ذلك الخيط الرفيع الذي بدا لنا، مرسوما على وجه ماء البحر سطرته خصلة شعر رفيعة لأشعة شمس قبل رحيلها، أبت إلا أن تنير يسار مسار بلم يشق عباب البحر.. وقد أرجأت الحديث عنه أي (البرزخ عمدا)*،  يبدو أنه ليس آخر المشوار وأن عبورا آخر في الانتظار.
كذلك لا نعلم إذا ما كان العبور، شمل كل القطيع أو أن بعضه تخلف غرقا، تاركا وشما على البحر.
الغموض لا زال يلاحقنا..
٢ـ انهزام المدن:
 عن أي مدن يتحدث؟، عن التي فر منها القطيع؟، أم التي حل بها؟.
يبدو أن الروائي أدخلنا سرداب ألغاز، نأمل أن نجد مفتاح بوابة الخروج منه.

٣ـ كفن ممزق:
 تصاب بقشعريرة، وأنت تقرأ هذا العنوان، لا لأنه يذكرك بالموت فحسب، بل لأنك تشعر أن حرمة الميت قد انتهكت!، كأن كلابا مسعورة أو ذئابا جائعة نهشته، لا نعلم إذا طالت لحم الميت؟!، هناك استباحة.. لأجساااد.. بلا أرواااح. لجثث.. لأعراااض.
أكاد أجزم أن الروائي يجيد فن زرع الألغاز.

٤ـ في مهب الريح:
 تلاعب.. صدمة.. خدعة.. ضياع.. تساقط .. أوراق .. هزيمة.. وانهزام .. وتلااااش.
يبدو أن طرفا آخر دخل في اللعبة، من دون استئذان، طرف له عظمة ريح.. صير.. قطيعا.. أشلاءً.. وبعثرها، أم صير حلما أوراقا، تعبث بها الرياح.. كسبحة تناثرت، بعد أن تقطع خيطها.
ولكن هل هي ريح.. أم رياح.
إيه... أقصد
طرف،
أم أطراف..
جهة أم جهات.

في ربط مع الثلث الأخير من كلمة رواية تلك الصرخة المكتومة "إييه" أو آآآه ....
هذا ما سنكتشفه عند الولوج إلى قراءة الرواية.

٥ـ نفاق الشعارات:
 يبدو أن هذا العنوان يحمل إجابة تساؤل طرحناه، أعلاه.

شعارات تحيلنا إلى ذاك الطرف، الذي اشتممنا رائحته، ذو وزن عظمة الريح ولكن هل هو: ريح، طرف؟.
أم رياح، أطراف؟.
ذاك هو السؤال..
تبقى الشعارات؟..
ومضمونها؟.
نفاق..

نفاق: يقابله، صدمة، ارتجاج، احتجاج، عناء، معاناة، انهزام، اصرار، تبعثر، تدحرج، تقويم، اعوجاج، مخاتلة زئبقية، مكفففنة (مكفنة) بعذب الكلام والزيف والتزييف.

٦)حافة الهاوية:
تحيلنا إلى شفا
- حفرة
- جحيم
- جهنم
+ سقوط ونهاية سيئة، مقدرة، خارجة عن نطاق الفرد، أو المجموعة، لم تكن متوقعة.
+ أو ما قبل الشروع  في سلوك قد يؤدي بصاحبه، إذا ما قام به، أن يهوي في قاع جهنم، كعقوبة استحقها، نتيجة سلوك حرام مثلا گ:
ـ سرقة.
ـ رذيلة.
-أو غيرها.

٧ـ رغبة شاهقة:
أما هاته فيبدو أنها صراع ذات، حرمت حقها، في حياة عادية طبيعية، فحتى الرغبات، صار سقفها شاهقا، عاليا، تشرئب له الرؤوس، والأعناق، ولا تطاله فتطأطئ وتنحني قهرا واذلالا، اعترافا بأن لا حق لهم في الوجود.

٨ـ المرافئ المشتهاة:
هاته المرافئ، التي أصبحت حلم كل من ضاقت به أرضه، هل بقيت حلما مشتهى أم صارت واقعا وحقيقة.
كل هاته الأسئلة قد نكتشف إجابتها لاحقا.

** أما عن نصوص التصدير:
فنلاحظ أن الروائي، لم يعمد إلى المقدمة الغيرية، بل عمد إلى تقديم منجزه بنفسه، وبشواهد مختزلة جدا، بغية تنبيه القارئ إلى غايته، ومقصده، وتوجيهه من خلال مقولات لقامات وهامات، كاعتراف بالجميل من ناحية، ومن ناحية أخرى متخذة شكل الحكم، والدرر، صالحة لكل زمان ومكان.
ـ لنبدأ بالشواهد، ولنرجئ الإهداء فيما بعد.
ـ الشاهد الأول مقولته واعتبرها تقديما قبليا:
"كن دوما في صف المطحونين حتى تجد نفسك أجمل حين تنظر في المرايا"
أي قف إلى جانب المظلومين حتى تتجمل ببهاء أفعالك، فالطيبة ترسم على وجوه أصحابها، وتمنح صاحبها السكينة وإن لم ينل مراده.
أو تكون شعارا وراية، يرفعها الروائي، وخط برزخي فاصل للرواية؟، بين مفهومين؟، بين ضفتين؟، وبين دفتين؟.
-       الشاهد الثاني، هي مقولة الملك حمورابي التي تصدرت قوانينه، التي وضعها في بلاد الرافدين:
* "كي لا يؤذي الأقوياء الضعفاء كتبت الآتي "*
القوانين، جعلها هذا الأخير تحد من استبداد الأقوياء، وجورهم للضعفاء، علها إشارة إلى ظلم ظالم، قوي، مستبد، قد يعترضنا في إحدى فصول الرواية أو ربما على مدار صيرورتها.
ولكن لماذا الاستشهاد بحمورابي بالذات؟.
ما الغاية؟، ما القصد؟ .
أهي من أجل تذكير بمجد؟،  بحضارة؟،  بأمة؟، بتاريخ؟، بعظمة؟، بسبق للزمن؟.

الشاهد الثالث مقولة سقراط :
*" بعض الناس. سوف يتركك ولكن هذه ليست نهاية قصتك إنما هي نهاية دورهم "* في ربط مع ما سبق نستحضر عنوان الفصلين:
"نفاق شعارات"
و"المرافئ المشتهاة"
هاته الحكمة، حكمة، حكيم لمهزوم، بغية رفع معنوياته، ولملمة جروحه، من أجل توازن واحترام  ذات لنفسها حتى. لا تتخاذل وتنهزم حتى لا تنتحر نتيجة زهد في الحياة ولا مبالاة عبثية جرت إليها جرا.
مرة أخرى نستشهد بعظيم لدولة (اليونان) شاخت وهرمت، ألم يعد لها الحق في التشبيب والحياة من جديد بضخ دماء جديدة في أحيائها مدنها المهترئة ؟ دولة على مشارف الإفلاس هل نحن على مشارف أثينا.؟.
دعنا من كل هذا.. لنركز على ما خلف السور.. أجل الهدف كان أولا تذكير بأن ما يعتبرونهم دونهم (الغرب) هم عظماء الأمس (الشرق)، جور قوانين تحمي الأقوياء،
نشتّم، تخل ونهاية دور لطرف أو ربما لأطراف.
وقد حان الوقت، لشحذ الهمم، وعقد العزيمة، على التحدي وعدم التخاذل، إذ الشرق هو الأصل، هو الجود، بمعارفه وأقطابه، وهو الكرم بإغداقه على الغرب، بالنعم، وكأن لسان حاله يقول هم جاؤونا غازين. ونحن مددنا لهم أيدينا مساعدين، نبني مجدهم بسواعدنا بأزهد الأثمان، وقابلونا بالتنكر بالقوانين الجائرة الظالمة وبإدارة ظهورهم.
"علينا، أن نفهم ،بأنها نهاية دورهم".. و"ليست نهايتنا".

+أما عن الإهداء:
-       وإن خص به والده الجيني الذي قرأ في عينيه عظيم فخره حين سطر أول كتابه.
وخص به كل الناجين من برزخ الموت وكل الذين تحطمت أحلامهم.
* اذا الرحلة توقفت بخيبة أمل، على ما يبدو، لذا نكرر النداء، ونرفع الشعار "علينا أن نفهم بأنها نهاية دورهم وليست نهايتنا". كما قالها سقراط.

القراءة في الرواية
السرد:
البلم رواية، استند السرد فيها، على ضميري المتكلم تارة "نحن" وتارة أخرى "أنا" باسم البطل همام الذي تولى مهمة السارد:
1ـ لعب دور المحاور، والمستنطق، والمنسق، والوسيط، والمعاين، والرقيب، والمؤرخ والمخرج ، الذي يحرك خيوط شخوص الرواية بشكل واضح.
سواء منهم:
-أولئك الذين نافسوه على دور البطولة كعمار وياسر، أو الثانويين كسماح ونجاح، وكذلك العرضيين، كالمهربين، وغيرهم، أو الكومبارس.
2ـ كما نجح في إعادة صياغة الواقع من خلال إعادة تنسيق الأحداث، والزمن، وفق طريقة فنية، اعتمد فيها الإثارة والتشويق، وذلك بكسر تسلسل الأحداث، والتلاعب بالأنساق الزمنية المختلفة، بحيث فرق بين المتن الحكائي، والمبنى الحكائي. وهي طريقة تقنية وفنية يعبر عنها بالثنائية الضدية.

3ـ كذلك التفضية.
من أجل تناغم كل العناصر الموظفة في هذا المنجز، فقد أولى السارد، اهتماما كبيرا لتوصيف الأمكنة والأزمنة في أبعادها البانورامية المختلفة، كما نقل إلينا الروائح والألوان، نقل إلينا تفضية تحدد معالم الشخوص، مكنتنا من الغوص في ثناياها، بقصد الوصول إلى تفهم الأسباب والدوافع وتبرير سلوكياتهم، من خلال معرفة خلفيتهم الثقافية والبيئية والاجتماعية في عالمهم المتخيل، أو التخييلي، وكذلك توصيف الأشياء، بدقة وقد أبدع في ذلك، بحيث جعل لها إيقاعا يتماشى والحالة النفسية لشخوصه، وللإطار العام، انعكست على توصيف الأشياء وعلى الزمان، باعتبار أنها لا تقل قيمة، عن سرد الأفعال وعن سرد الأحداث.
كل ذلك تم، وفق بناء روائي، مفتوح، لم يتقيد فيه السارد بالتدرج العمودي، ولا بالزمن المتتالي كليا، بطريقة نمطية، مملة ورتيبة، بل سعى من حين إلى آخر إلى الاستنجاد:

- بذاكرته "كنت أحكي كأنني غيمة تسافر وحيدة في فضاء لا يزاحمها فيه طير ولا سحاب معا مثل قصائد بكر يخبئها العاشقون في تجاويف حقائبهم ويسطرون فيها نبضا جديدا.
الحب في قريتنا غواية لا يقع فيها إلا الحمقى.." (ذكريات همام من ص١١٢، ١١٣، ١١٤)
- أو بذاكرة أحد محاوريه لتقريبه من الصورة الذهنية للمتلقي ..(ذكريات ياسر) "لكنني بدل أن أنزل..
فوجدت نفسي أنزلق على لوح غير مثبت بإحكام على سطح.. واخترقته وسقطت متربعا متوسطا.. " ( ص٦٣)
ذكريات نجاح (ص١٠٠،١.٢)
التي كادت تنزلق إلى الهاوية لولا حضور همام الذي أنقضها فباحت له بأسرارها وذكرياتها المريرة .
حرصا منه على تكثيف التقاط عناصر المتخيل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتاريخي.

ولاستباحة الفساد:
" من قبل ذوات ضاقت بهم الحياة في أوطانهم، نتيجة استبداد وقصف وفقد لأمن وآمان وحب واستقرار وضوابط فالتبست لديهم الصورة، فباتوا يتخبطون في مستنقع قاذورات . (عمار وسقوطه الثالث) و(المعتقل)ً .
حيث عمدوا إلى التعامل مع مهربين، من أجل الفرار من الموت، من سجن واستبداد حاكم دكتاتور، فإذا بهم صاروا الى سجن أكبر.. غنما لدى مهرب، جاهل غير قادر على قيادة بلم، وغنيمة لدى دول، تأمل المتاجرة والكسب من مأساتهم والفوز بمساعدات وامتيازات على حسابهم، لفائدة شعوبهم وجالياتهم. مثلما هو الحال لتركيا وكذلك اليونان( ص٢٢، ص٧٧)
" كل ما زاد عدد اللاجئين الذين تبقيهم الحكومة داخل حدود البلد تزداد قدرتها على التسول من الأمم المتحدة والدول الأوروبية .."
يبدو أن تركيا وكذلك اليونان تتعاملان مع المهربين، مستعملة الفارين من أوطانهم، المغررين بهم، المصدقين لشعارات أطلقتها دول أوروبية، أعلنت مساندة، ومساعدة شعوب عربية قامت بثورات مزعومة، أشعلت باسم الحرية والديمقراطية، في أوطانهم ثم، وبعد استنزافها وتخريبها، وبعد أن استحال فيها العيش نتيجة حرب وقصف، تنكروا لهم بعد أن سلبوهم كرامتهم، ورفضوا قبولهم وبنوا سورا، على حدود اليونان، ليمنعوا تدفقهم إلى أروبا وائدين بذلك حلمهم وأملهم في حقهم، في حياة كريمة، لذوات خسرت إنسانيتها واشترت عبوديتها في القرن الواحد والعشرين بأبخس الأثمان.
+ ومن سياسيين، أغرتهم لعبة التملق، والنفاق، والمراوغة، والمخاتلة، والمماطلة من أجل الانتهاز والابتزاز والمتاجرة بوجع، مجتمع فقد أنفته وعزته، وصيروه ذليلا كقطيع غنم مقيد مغلول، مقيد لدى مهرب ضمن قائمة المسجلين بقصد العبور، سلم قيادة ذاته له ليصبح بعد ذلك "كرة تركلها أقدامه حيث تشاء "( صفحة ١٧ ) ومقيدا لدى دول العبور بخارطية، دون أن يجد هذا الأخير الوقت للسؤال أو حتى للفهم أو للانتباه، والاستدراك، وعله يتغافل عمدا، شعاره في ذلك:
" أن الغاية تبرر الوسيلة" ولعل هذه هي النتيجة الأخطر، الناجمة عن هذا التطور السلبي، للقيمة لدى الأفراد، أو المجموعات سواء منها مجتمعات العالم الثالث، أو المجتمع الدولي المتحكم في الصراعات الذي نصب نفسه راع للعالم( الثالث)*.
وهذا التحليل يقودنا إلى تطور مفهوم التهريب والهجرة السرية، فبعد أن كان ظاهرة سلبية، لا تخص إلا المعدومين والشاذين عن المجتمع، (الذين لا يشبهون الأغلبية)،صار التهريب ظاهرة معترف بها، لا لدى الفارين، فحسب بل أصبح لهم دور فاعل في الشأن الدولي، وإن كانوا يحتلون أدنى المراتب والدرجات في سلم التفاوض، مغيبين في العلن، متواجدين في العتمة، ويذيلون المشهد المعتم تحت الطاولات، لمجتمعات تتمظهر بالديموقراطية، صاغت شعارات غير قادرة على تفعيلها.
مجتمع دولي، زئبقي التركيبة والفكر .
يصبح المهرب أبا العرب،
ورموز القضية الفلسطينية أسماء أبطال مشهد التهريب، هاته الشريحة، التي كانت تعمل في الظلام كالخفافيش، باتت لها قوانين عرفية، يخضع لها الحرفاء، بينما هم، أي المهربون ليسوا مطالبين بالالتزام بما شرعوه، وإن أقاموا مكاتب وساطة لضمان النقود المدفوعة، للمهرب مقابل الحصول على طوق النجاة، و تتعامل هاته الشريحة من مصاصي الدماء مع بوليس ودول الجوار، الذي يقوم بتغطية و تأمين عملية التهريب على الصعيد الدولي.

و في ظل هذا الصراع. بين المشروع واللا مشروع
الصدق والنفاق..
ثنائيات قامت عليها الرواية منذ البداية.
ثنائيات صيرت المهرب أبا العرب وكأنه وليا وكيلا على العرب.
والامم المتحدة راعية للسلام منكلين بالمهاجرين.

* ومن خلال الخصائص الشكلية والدلالية واللغوية المستعملة على مدار سيرورة المتن الذي بين أيدينا نلاحظ تمكنا وحذقا وحرفية جد ماهرة في تجديد المتخيل وتطويره، سواء من خلال التفضية وطريقة استنطاق الشخصيات، للبحث عن ذاكرة فردية، أو جماعية أو شريحة مجتمعية أو سياسية أو تاريخية أو لاستقراء حصيف متبصر..  نذكر هنا عمار الذي "بدى أنه أكثر بصيرة على الرغم من عماه "(ص٢٢) وياسر (ص٦٢) .
ونقل الحالات النفسية، لذوات فاعلة مثل (ياسر٦٢)، ومفعول بها (شخصية نجاح)، مستسلمة (حالة ياسر بعد أن رجع إلى الكامب ) "كيف تغادر البسمة الشفاه، فترحل بلا عودة، شيء ما عميق من الحزن المقيت، كان يحز في روحه، فلم يعد ذلك الرجل الذي ينثر البسمة، حيث يمضي، مثل غيمة تحمل الفرح للحقول "( ص٨١) .أو عنيدة (كسماح) "وحدهم يتحدون قسوة الأيام يجتازون حرقتها، المماثلة لحن الأمهات الطويل، ينحازون لخيار الانشغال بالحياة ويتمسكون ببصيص الأمل حتى لو بدى ضئيلا".

تتواتر الأحداث فنحضر عزيمة، وإصرارا "وحدهم هؤلاء الذين يصرون على الحياة في الوقت الذي يتفشى فيه الموت يثيرون إعجابي بل وربما حسدي " ويقصد سماح وأبناءها الثلاثة.
وانكسارا (حلم الجميع الذي تبدد بعد غلق الحدود بواسطة بناء سور لمنع العبور..)
كما شاهدنا مثابرة لذوات واستفسارا، وانحدارا ومقاومة وعبثا وثباتا وسعيا من أجل بقاء.

النص

أما عن "نص الرواية" فقد جاء في أسلوب شيق ماتع جعلنا نشرب عصير  حنظل محلى بالعسل.
ذلك أن غناء مخزون اللغوي، وزخم العبارة التي يمتلكها الروائي، جعله يتصرف في معجم اللغة، المستعمل لديه، بحيث يعطي   للفعل وللحالة ولتوصيف المكان والزمان والإنسان والأشياء  صفة، غير التي تعودنا عليها، بل يخرجها من سياقها الأصلي،  في المعجم، ليزجها، ويقحمها  في توصيف مجازي، يأخذك في رحلة مع الإبداع اللغوي، تلهيك عن الألم .
 فكأنه  بذلك أضاف على الألم  سكرا أو عسلا ،لنتقبل بذلك جرعة الألم المحلى، ونكمل رحلة المرار المعسلة،  وقد استعمل اللفظ بصيغة المجاز مما أكسب النص بهاءً وجمالا خارقا، خفف من وطأة الألم وحدته،  الذي   يقارب  الغثيان وربما الإغماء، في بعض الأحيان لو استعمل اللفظ كما اتفق .

 لذا نراه في كل مرة، يحاول، أن يسرب المرارة بمقدار، مدروس ، حتى يضمن متابعة القارئ بمنحه فرصة ومهلة، لإعمال العقل والتبصر  من جهة، وكذلك حتى تتمكن شخوصه التخييلية من أداء أدوارهم باقتدار وحتى لا يلجؤوا الى التغيب عن التصوير.

أوه...أووه .. ذكرت.. التصوييييير.. أجل .. فأنت تقرأ بعض المشاهد، تحسب أنك أمام تلفاز، أو خشبة مسرح، أو أمام شاشة سينما كبيرة.. ملئت بتفاصيل، وجزئيات التقطت، بعدسة سينمائية ذكية، سلطت الضوء، على المرغوب اظهاره بطريقة فاتنة ومبهرة .. ونستدل بذلك ببعض المقاطع كما جاءت في الرواية :

ولا بأس سوف استسمحكم، و أطيل قليلا لتستمتعوا ببعض  المشاهد التي أمتعتني   فنيا:
"عبرت غيمة من الاحباط سماءنا وانطفأ وميض ابتساماتنا الشحيحة أصلا، فقد تيقنا أن مكثنا، في هذا الكامب المنعزل سيطول إلى أجل آخر، وأن علينا أن نواصل عد الأيام المتلكئة بملل مقيم"
(تعبير مجازي)

*خدشت ضحكة رقيقة لإحداهن حياء الليل ومزقت سكونه وبعد أن انطفأت ...
(تعبير مجازي )(وتوصيف مشهدي يجعلك تحس اللحظة بل قد يهيأ إليك أنك سمعتها معه ...)*

* تناها إلى سمعي على بعد خطوات منها صوت مألوف كان أعلى من الهمس !!

*كنت واثقا أنني سمعته .
مسكونا بالهواجس ص٩٨
اقتربت من مصدر الصوت

* أحاول تخطي الظلال الشاحبة التي رسمها تعاقب العتمة والضوء الخافت  المنسكب على زاوية بالكاد يمكن تمييز المختفين فيها، وحين أصبحت في مواجهتها...
(تقني ) (حدد درجة الإضاء)*

*سقطت عليها المفاجأة الصاعقة..
*كساها شحوب الأموات.
*انفجر داخلي بركان هائل  من الغضب .
*واندفع الدم صاعدا .
(تعابير مجازية خدمت الصورة في ذهن المتلقي وحفزته بشكل مكثف ....)*

* كانت أصابعي  تضغط على ذراعها  تريد أن تخنق كل آثامها، تاركة أثرا عميقا عليها،
والخيالات تسافر في ذهني، في اتجاهات شتى...
(توصيف إلى جانب استحضار خاطرة)*

*وأنا أطرق بغضب أرصفة الشوارع  بقدمي
(توصيف للحالة النفسية التي كان عليها السارد كدنا نستمع إلى خطواته )*

*" كنت أتخيلها قطعة لحم يتهافت عليها الجائعون فينهشونها ويرمون ما تبقى منها كقمامة في سلة قاذورات ."
(الصورة الذهنية المتخيلة لديه الناجمة على إثر ما رآه هيجت لديه هواجس ومخاوف انتقلت إلينا ومكنتنا من استحضار مشاهد لأفلام ربما لمسلسل كانت إحدى البطلات قد عاشت حالة مماثلة  )*

*"صارت العتمة والضوء يتعاقبان على شوارعها التي بدت تنفرج شيئا فشيئا كلما أوغلنا في الابتعاد"
"وحين أرخيت قبضتي وحررت ذراعها .."
(إبداع في السرد من دون إطناب )*

وعلى الرغم من شهقاتها، ونشيجها ذهبت بعيدا  تذكرت "حياة" تساق مثل ذبيحة إلى مائدة رجل آخر فقط لأنني لم أجرؤ أن أعلن أنني أحبها.
(استحضر ذاكرته، تكثيف للمشهد، لمزيد تحفيز القارئ، حبكة ماهر )*
(توصيف مجازي ودقة وحضور الأضواء وتفنن في السرد ماتع يجعلك تنسلخ عن واقعك لتلتحق بعالم مخياله فتصبح لصيقا بالشخوص تكاد تسمع دقات نبضهم، وهذا نادر ما نحس به  في أدبنا ... هذا الحذق الباهر وهاته الكاريزما الإبداعية لم تكن عرضية، في مشهد او اثنين، بل اكاد أجزم أنها لازمت المتن منذ الفصل الأول، وهو يوصف الحي الشعبي بكل تفاصيله وروائحه وذاكرته الجماعية، من خلال الأغنية، وروائح المآكل والمشارب، فحتى رائحة العرق والصنان، لم تفته، إلى أن أردفها بروائح الرطوبة بأثينا، وبالقاذورات ، ووشاها، بذاك المشهد الذي حضر فيه رئيس الوفد الأممي وتعديله لجلسته مرة ومرة أخرى لم يتمكن  لأن هاجسه كان الشرح ... و  بذكريات سير ذاتية منفردة بجزئيات وتفاصيل جعلت هذا العمل أكثر إنسانية،  وجعلنا نشعر بمرارة القهر والخصاصة .
وأقصد بالقهر، قهر الحرب،  الفقد،  الحرمان، والخصاصة، والعجز عن تلبية، الخصوصيات، والحاجيات الأولية البدائية في مستواها الأول، كالأكل والشرب والنوم والتناسل.
هذا الوجع الذي لامسناه في المظاهرات في أثينا من اليونانيين أنفسهم ذلك أن هم الكاتب لم يكن همه العرب أو الأفارقة فحسب ولا الأفغان بقدر ما كان هاجسه الإنسان عموما، في بعده الكوني
لأنه يستحق الحياة، حيث ما كان يجب أن يعيش عيشة كريمة ذلك أنه سليل آدم وروحه من روح الله.
فلم يخلق الانسان عبثا، أو  ليهان، خلق ليعمل، لينعم، ليشكر، ليموت ثم ليبعث.
هذا الإبداع المشهدي، للصورة
حافظ عليه على مدار سيرورة الرواية و على امتداد فصولها.
**
نواصل عرض بعض المشاهد التي استفزتني وأبهرتني فنيا..
*لم أمد لها يدي لأساعدها على تغيير المسار الذي رسموه لها لعنت ضعفي وسلبيتي. 

*لكنني دفنت غضبي وثورتي حبستها خلف أسوار مراعاة العيب والأصول والعادات والخجل وتركت حياة...  **
(تجليد الذات )*

*لكنني في هذه المرة  رفضت الضعف وألقيت بالسلبية بعيدا، أردت أن أنتشلها من وادي الآثام.
(تكثيف جلد للذات وإبهار تحرر..
تحرر ذات وانعتاق  من عبودية العادات والتقاليد التي عبثت بالذوات وأوصلتنا إلى ما نحن عليه، من تخلف وارتداد، إلى عصور ما قبل الجاهلية، نتيجة سوء فهم للدين وللفكر الايجابي وللفلسفة وللإبداع.. فلا يمكن أن نفكر أو نبدع إذا  كثفنا العوائق والحواجز والممنوعات.
كانت الخطوة الأولى لهمام استرداده لأدميته وشعوره بالاحترام لذاته، فيما سبق كان يمشي كما اتفق، من دون نسق، جرته إلى الهروب من ذاكرة ضلت تلاحقه  إلى أن غرق، في بحر من الهواجس، التي رمته في محرقة بحر على ظهر بلم .... وضياع على مشارف حلم انتهى قبل أن يبدأ)

·       تراكيب
كما أشرنا من قبل، فإن المتن الذي بين أيدينا، زاخر بتراكيب إبداعية، رائعة، كالاستعارة المكنية، التي تثير الخيال، وقد تنوعت صورها من حيث الدلالة فمنها  الفكري، والحسي، والنفسي، مما جعل هذا المتن الروائي، أكثر إنسانية قريبا من النفس  إضافة إلى صبغته الفنية، اللذيذة، و بالرغم من المرارة، التي  تسكن النص، في كل زاوية، وفي كل ركن، في العلن و في المضمر،  إلا أنك تشعر بحرارة التعبير، وقوة التأثير، فتقع عباراته على النفس موقعا حسنا يخفف، الألم ويحرر خيالك، ومخيالك، فيستأذنا منك لبرهة فتطلقهما قليلا، فإذا بهما  يجمحان  ولا تكاد تستطيع ان تلحقا بهما وتكبحا جماحهما.
إليكم بعض التراكيب التي اخترتها لأنها راقتني:

* (رضوان وسميحة )" انطلقا كسهمين تحررا من قوسيهما."

*"فارين إلى النجاة ".ص٣٠

*(سليمان) "وهو يخنق سيجارة بين أصابعه ويرفعها بتؤدة نحو شفاهه شبه المتيبسة،  ثم يمتصها بعمق كأنه يريد لها أن تحرق جوفه،
 ثم تفوح منها رائحة الألم.."

*"ارتدى وجها قاسيا تحول قرصانا نص٣٣"

*"تناثروا فوق الصخور ."
*وداس بعضهم بعضا .
*" موجة صاخبة ."
*قادمتين من الموت والحياة .
ص٤٤

*" يتخلصون من سترات النجاة التي كان بعضهم ما زال يرتديها فألقوها بعيدا   كأنما يلقون معها ما جلبته لهم من ذكريات مرعبة..."ص٤٥

*"وحين صار الموت يتربص بالزوايا، ويمارس لعبة عبثية، تطلقها ضغطة زناد واحدة، من مقاتل ضجر، لم يجد ما يفعله سوى التسلية بإشعال الموت لينفجر في كل الاتجاهات ." ص٣٣

*"مثل ناي عتيق جاء صوته مجبولا بالشجن ."

*"كان مهزوما إلى حد الانهيار
مثل مدينة فشلت في مداراة انكسارها وأوجاعها حتى بدت مثخنة بالآلام....دهمت البثور وجهها العذب الرائق وعجزت المساحيق عن أن تعيد حسنه ."

*"لكن عبورنا أوصلنا إلى رحلة عذاب أخرى...."

"نتكدس فوق بعضنا بعضا بشكل لا إنساني وكأننا حيوانات ..."

"تفترش العشب المحيط  بالمبنى وتغتسل بأشعة الشمس ".

"نتكدس في أقفاصنا وبعضنا علق على الحدود، ونصب خيما لا تقيه شر المطر ."

"معلقين مثل معتلقين  يجهلون موعد الإنفراج،عنهم أو حتى محاكمتهم ..."

*تبث الشاطىء شجونها تحكي له،أسرار حملتها من المدن والمواني المتناثرة هنا وهناك ،وتودعها لديه وقبل أن تمضي توصيه بأن يحفظها فلا يذيعها للعابرين ..."

*"تتخلى أثينا عن ثوبها القشيب في الليل تخلع أناقتهاتخلي .. شوارعها للعابثين والمشردين والسكارى وفتيات الليل كما تحمل هذه الأناقة إلى فرشها داخل أسوار البيوت وتترك الليل يعيث قبيح، داخل هذه الأسوار ."

*"وانا أطرق بغضب أرصفة الشوارع بقدمي ."

*" كنت أتخيلها قطعة لحم يتهافت عليها الجائعون فينهشونها ويرمون ما تبقى منها كقمامة في سلة قاذورات ."

*"وجلسنا هناك أقدامنا معلقة في الهواء يلسعنا الرذاذ، كلما زمجر، ويذيقنا طعم ملوحته كأنه طعم أيامنا ."
*"أسمع وشوشاته (البحر ) حين يغفو الكون ."

*"ولا تبق سوى أمواجه تبث الشاطئ شجونه ."

*"بدأت أقضي النهارات خلف حامل اللوحات وحين يحل الظلام أترك أقدامي تسرح في الشوارع ."

*"أثينا تجوبني وتقودني ...
وتقودني في الغالب نحو الميناء ."

*عمار" لكل منا حربه يفر منها"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الحركة

الحركة في النص اتخذت شكلين متضادين، تراوحت ببن الصعود تارة وبين النزول تارة أخرى:

*"وبدأنا رحلة صعود صعبة."
*"كانت خطواتهم تمضي ثقيلا وهم ينحدرون ."
*"حتى بلغنا حجرة مهجورة في أعلى الجزيرة ."
*"بدأنا ننحدر في طريق نازلة، كأننا أوراق هشة في مهب ريح صاخبة وسيارة عسكرية تمضي خلفنا بتؤدة تضيء لنا بأنوارها الدرب الضيق المنسل بين الصخور  كهارب يتلوى يمنة ويسرة ليتخلص من ملاحقيه.
ص ٤٨

*أما عن الصمت فتلك قصة أخرى
إليكم بعض ما ورد علينا عنه:
*سقط الصمت علينا . ص٦٩
*مبددا فضاء الصمت٦٩
انحبس الكلام في حنجرتي الجافة، حتى التشقق وغاصت الحروف عميقا .فعجزت عن التقاطها. (تكثيف للصمت )
*ساد الصمت من جديد .
*"حملنا حقائبنا  في صمت عائدين، إلى الميناء، كنا واجمين . "ص ٦٩

*وعن الخرس :
صمت آذانها إدارة الكامب إثر سقوط عمار ٧٥ص.( لا من مجيب )*
محولة تلك الطلبات إلى مجرد صرخات تتبدد في واد لا يوصل صدى ( لامبالاة)
(من سمعكم ؟)

 *وعن الذكريات الأليمة الجماعية النفسية .
الكامب ما هو إلا مستشفى أمراض عقلية ونفسية قديم "أروقته القديمة تشي بكثير من الحكايات والذكريات المؤلمة حشر فيه المتدفقين من الفارين.  ....
(وكأنها إشارة إلى أن العابرين هم مجرد حالة نفسية، بمعنى أنهم غير عاقلين، أي هم تحت وصاية.. أي في وضعية التابع المنزوع  لكل حق مدني.. وبالتالي استحقوا ما هم عليه)

*أما الكلام: فهو إما ضجيجا وصخبا وكلاما جماعيا لا يسمع، كذاك الذي في  المقاهي والمطاعم بإزمير، أو في المظاهرات بالميدان بأثينا ،وإما همسا أو كلاما عاديا أو خطابات لسياسيين من اليمين أو من اليسار أو لبرلمانيين أو كلمة لرئيس وفد، أو تنديد أو احتجاج أو أو..
النتيجة كلام من دون نتيجة، يصبح الصمت أفضل لأن صاحبه في هذه الحالة يكون، احتفظ بطاقته.

في الختام، اتضح لنا أن كل وعود المنظمات الأممية والوفود  ما هي إلا خدعة وزوبعة في فنجان. وتتناثر الأحلام وتتبدد وتتلاشى وتتبخر وكل سوف يمضي في حال سبيله.
وتبقى قضايانا كالقضية الفلسطينية، منشورة يتعشى منها منظمات أممية ومهربين  وبوليس دول جوار وحوار من أجل بناء جدار و أسوار أوقفت العبور قبل نهاية المشوار.

                         انتهى
                        سهيلة بن حسين حرم حماد
17/11/2018

في الختام أشكر الدكتور مختار أمينmokhtar Mokhtar Amin الذي منحنا فرصة  قراءة   هذا المتن الحقيق بالاطلاع لأهميته الأدبية والتاريخية، وكذلك لصاحب المتن الروائي المتمكن صاحب الفكر والكلمة الراقية Mohammed Aldafess .
كما  لا يفوتني أن أشكر كل الذين تابعونا على صفحة مؤسسة المختار من زملاء مشرفين وأصدقاء ....
شكرا جزيلا  للجميع....

                 سهيلة بن حسين حرم حماد








سهيلة بن حسين حرم حماد





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق