الثلاثاء، 6 مارس 2018

صحيفة "عكاط" السعودية تنشر خير إصدار روايتي "البلم" تحت عنوان "البلم.. تستحضر أوجاع ومغامرات المهاجرين السوريين


https://www.okaz.com.sa/article/1621086 
«عكاظ» (جدة)
عن دار ذات السلاسل الكويتية صدرت رواية «البلم» وهي الرابعة للروائي السوري محمد تركي الدعفيس، وذلك بعد رواياته «الرصاصة تقتل مرتين» و«هي والراهب» و«قوافل الريح». وجاءت الرواية الجديدة في 216 صفحة من القطع المتوسط، وتميزت بلغتها العالية المستوى، وأسلوبيتها الشيقة في السرد، وتعمقها في سبر أغوار الشخصيات وتحولاتها بين الأمل والإحباط.

«البلم» هي رواية الخوف والأحلام والانكسارات، حيث يمتطي الفارون من جحيم الحرب السورية، مراكب الموت ليعبروا إلى الضفة الأخرى من العالم بحثا عن الأمان، وخلال الرحلة يلاقون الأهوال ما يجعلها رحلة تستحق مسمى رحلة «عبور برزخ الموت».

تتناول الرواية حكايات الهروب وأوجاعها، مصائر الهاربين، الذين حملوا معهم أسرارهم وذكرياتهم، وتحوّلوا إلى مجرد أوراق يلهو بها المهربون، وتلعب بها الدول وفقا لمصالحها وسياساتها. يعيش الهاربون لحظات الرعب الحقيقي، ويتحوّل بعضهم قرابين وضحايا للرحلة المحفوفة بالمخاطر، وحين يصلون إلى الضفة الأخرى، ويظنون أنهم لامسوا حلمهم، يصطدمون بجدران عازلة تمنعهم من مواصلة الرحلة، وتوقف تدفقهم إلى الشمال، وتحتجزهم خلفها مثل حيوانات السيرك في مجمعات تعيسة، أو مخيمات نصبوها في العراء، آملين أن تفتح الحدود أمامهم يوما، وأن تشرع أبوابها لأمنياتهم.

السبت، 17 فبراير 2018

محمد تركي الدعفيس: تأثرت باستشهاد مالك فكتبت أول نص

http://www.annaharkw.com/annahar/Article.aspx?id=784749&date=11102015
لكل منا بداية.. وما أجمل البدايات.. محبة أول كتاب قرأناه.. وفرحة أول جائزة.. كُتاب تركوا فينا بصمة لا تمحى.. وكلمة شجعتنا على مواصلة الطريق.. أصدقاء وأفراد من الأسرة احتفوا بنا وآخرون تمنوا لنا الفشل.. وعبر رحلة الكتابة تولد طقوسنا ومزاجنا الخاص. النهار تحتفي هنا بتجارب المبدعين وبداياتهم.. وفيما يلي دردشة مع الكاتب محمد تركي الدعفيس:
هل تذكر أول كتاب وقع في يدك؟
يعيدني هذا السؤال إلى ماض طاعن في القدم.. بدأت القراءة في سن مبكرة، ربما تقليداً للوالد الذي كان نهماً للمطالعة، في الحادية عشرة من عمري، وقعت بين يدي رواية جريمة في قطار الشرق السريع لأغاثا كريستي، التهمتها كجائع وقع على وجبة دسمة، ثم غادة كربلاء لجورجي زيدان، وغيرها.. ذات ليلة كنت أقرأ في رواية وكان ضوء الغرفة ينعكس على باحة المنزل حيث ينام الوالد، فطلب إليّ إطفاء النور ليتمكن من النوم، ماطلته، مرة ومرتين، وحين طلب في المرة الثالثة كان صوته حاداً وجدياً.. أطفأت النور، ولشدة تعلقي بالرواية أكملتها على ضوء خافت من مصباح للنوم، حتى انتهيت منها قرابة الفجر.. لعلي كنت أبحث حينئذ عن منارات تحدد العشق الروائي الذي سأمضي خلفه.
جائزة.. أو كلمة.. شجعتك على مواصلة الطريق؟
في الثاني المتوسط، كتبت أول قصة، ودسستها بخجل من يعترف باقتراف ذنب في يد مدرس اللغة العربية، وكان شاعراً وخطيباً، فتلقفها بترحاب شديد، وقال لي: يا ابني نحن نبحث عن أمثالك.. ومن ذاك الوقت أطلق عليّ لقب الأديب الصغير. كان ذلك تشجيعاً مفصلياً، ربما لو لم أصادفه لأحبطني وأبعدني عن هذا الطريق.
كاتب ترك بصمة مهمة عليك؟
ليس هناك كتب بعينه، لكن يعجبني الروائيون الذين يركزون على الواقعية في أعمالهم.. يلفت نظري نجيب محفوظ وحنا مينة والطيب صالح وعبده خال وخالد خليفة وغيرهم.. ويلفتني كتاب أميركا اللاتينية وعلى الأخص إدواردو غاليانو وباولو كويلو وغابرييل غارسيا ماركيز.
متى وكيف نشرت أول نص لك؟
كنت في الثاني الثانوي عام 1984، حين قام شاب فلسطيني بتفجير نفسه في رتل عسكري إسرائيلي.. كان اسمه مالك. كتبت خاطرة متأثراً بالحالة، مبتدأ بـ سبعة عشرة عاماً والاسم مالك.. الروح هائمة والجسد ظمآن.. إلخ.
أرسلت ما كتبت إلى صحيفة أسبوعية في سورية تدعى الفرات نشرت النص سريعاً، ثم توالت نصوصي المنشورة فيها.. في عام 1986 بدأت ممارسة الصحافة، فتداخل الأمران حتى لم يعد من الممكن الفصل بينهما.
كيف تفهمت الأسرة رغبتك أن تصبح كاتباً؟
في البدايات، وحين دفعت بقصتي الأولى لمعلمي، 
قام بدوره بالاتصال مع الوالد ليتأكد ما إن كنت قد تلقيت مساعدة منه في كتابتها، لكن الوالد نفسه فوجئ بالأمر، وحين استفسر مني عن الموضوع، كنت أقرأ في عينيه فخراً وسعادة شديدتين.. حكى تلك القصة لرفاقه أكثر من مرة.. كنت أشعر باعتزازه كلما أعادها.. كانت تلك بداية الحماسة.
وجدت من الأسرة كل التشجيع والمساندة والاحتفاء، وحين وقعت كتابي الأول على حافة الأمنية حوّلت العائلة المناسبة إلى احتفاء خاص، كانوا جميعاً حولي، ينتعش الفرح في وجوههم، وتنتعش روحي بإحساس النجاح.
هل هناك أصدقاء شجعوك؟
نعم.. تلقيت تشجيعاً متواصلا من زملاء المهنة.. الكتاب الأول كان مجرد منمنمات تبعثرت على أوراق عدة، لكن صديقاً صحفياً قتل خلال الأزمة في سورية، كان قد طلب مني أكثر من مرة جمعها في كتاب ونشرها.. بعد مقتله وجدت أن تحقيق أمنيته بعض من الوفاء لذكراه.. ففعلت.
ما طقوسك مع الكتابة؟
ليس هناك طقس محدد، كثيراً ما أترك للكتابة أن تلح علي.. معظم رواياتي كتبتها خلال عملي الصحافي.. أكتب أحيانا قبل بدء عملي الصحفي بساعة أو ساعتين.. أحيانا بين موعدي الطبعتين الأولى والثانية.. أستمع غالباً وأنا أكتب إلى عزف منفرد هادئ على العود (آلتي الأثيرة)، أو اترك نفسي لموسيقا كلاسيكية عالمية بعيدة عن الضجيج والحماسة. التفرغ رفاهية لم أعرفها بعد، ربما في القادم من الأعمال قد أختبرها.
- تجربة أول كتاب نشرته؟
حمل عنوان على حافة الأمنية. وكما ذكرت أنه كان تحقيقاً لرغبة صديق راحل.. جربت معه التعامل مع دور النشر والقارئ والنقاد.. واستفدت منه كثيراً في الكتب اللاحقة رحيل مجموعة قصصية، ولا وقت للحلم قصص قصيرة جدا، ورواياتي الأربع الرصاصة تقتل مرتين وقوافل الريح وهي والراهب والبلم.
ماذا تعني لك الجوائز؟
غالباً ما أراها بوصلة تساعد القارئ على اختيار ما يقرأ.. حين تقف في مكتبة متخمة بالكتب فإنك تحتاج إلى من يرشح لك ما تقرأ بدل إهدار وقتك في التجريب.. الجوائز تلعب هذا الدور، هي تسلط الضوء على نتاجك، لكنها ليست فقط الحكم الوحيد على جودة هذا النتاج.
كتاب كنت تتمنى لو أنت كاتبه؟
لم أقرأ بعد عملاً تمنيت لو أنني كتبته.. أحترم كل نتاج.. لكن الأكيد أنني أرى أن نتاجي هو خلاصة فكري ووجهات نظري ورؤيتي لهذه الحياة.. هذه أشياء لا يعبر عنها الآخر كما أريد وأشتهي.
عمل تخطط لإصداره قريبًا؟
أدعي أنني صاحب مشروع روائي، فقد تناولت الحالة السورية عبر رواياتي، فتناولت كيف تفجرت الأحداث وما هي مبرراتها، وكيف انحرفت في بعض مفاصلها الزمنية حيث ركبها الانتهازيون وأثروا منها على حساب البسطاء الرصاصة تقتل مرتين، وفي قوافل الريح تناولت أحوال 
أولئك الذين هربوا من جحيم الحرب لمخيمات اللجوء في الدول المجاورة، وفي البلم تناولت أولئك الذين فروا شمالاً نحو أوروبا لكنهم اصطدموا بأن الشعارات التي رفعت قبل وصولهم ليست سوى دعايات وأنهم صاروا مجرد أحجار شطرنج 
تحركها المصالح والحسابات البعيدة عن الإنسانية، وفي هي والراهب عرضت لهشاشة علاقة أتباع الأديان في بلادنا وكيف يمكن لشخصين خطائين أن يفجرا صفوها.
حالياً أخطط لعمل يكمل هذا المشروع، يتعلق بأحوال أولئك الذين وجدوا أنفسهم في بلاد اللجوء في أوروبا، وكيف يتعاملون مع وضع غريب، فإن كانت رؤوسهم قد وصلت هناك، فإن أقدامهم مازالت مزروعة في تلك المواطن التي فروا منها، والتي صودف أنهم رغم الفرار منها مازالوا ملتصقين بها.
حكمتك التي لا تنساها ككاتب؟
كن دوماً في صف المطحونين حتى تجد نفسك أجمل حين تنظر في المرايا.

الخميس، 15 فبراير 2018

الروائي السوري محمد تركي الدعفيس: الكاتب الذي لا يصطاد موضوعات أعماله من الواقع يكتب شهادة إخفاقه

في عددها الصادر بتاريخ 11 شباط / فبراير 2018
نشرت صحيفة "الأسبوع الأدبي" الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب في سورية حوار معي حمل عنوان:
"الروائي السوري محمد تركي الدعفيس:
الكاتب الذي لا يصطاد موضوعات أعماله من الواقع يكتب شهادة إخفاقه"
وفي عنوان آخر: "الرواية ليست توثيقا حرفيا ولا يفترض أن تكون قراءة في فنجان الاحتمالات".
وفي الحوار قلت:
"الرواية في اعــتــقــادي يمكنها أن تكون شاهدة بامتياز على التاريخ، خصوصاً حين يتداخل فيها الواقعي مع التخييل، فثمة عمود فقري منبعه الواقع، وثمة أحداث تدور في فلكه يفرزها التخييل، ولشدة الصدق لا تكاد تستطيع تمييز الفواصل، وعدم التمييز في اعتقادي هو ما يمنح الروائي شهادة النجاح في بناء عالمه الخاص الذي يطرح من خلاله وجهات نظره في الحياة ويرسم مصائر أبنائها.
الرواية التي لا تنجح في استثمار الواقع ونبش كنوزه وتحويلها إلى أحد موضوعاتها تبقى رواية قاصرة".
كما قلت:
"الرواية ليست توثيقا حرفيا للأحداث، وليست قراءة في فنجان التوقعات، إنها عالم مواز، عالم فيه وجهة نظر، ورؤية خاصة بمؤلفها".
وقلت كذلك:
"الرواية الواقعية أكدت أنها الاتجاه الجمالي الأشد ديمومة وقابلية للتجدد والتطور، وكلما استمدت أحداثها من الواقع الذي نعيشه كانت أكثر صدقاً.
والصدق مهم للغاية في الأدب، فهو الضمانة للوصول المتيسر إلى قلوب وأذهان القراء.
والواقعية هنا لا أعني بها التطابق مع الواقع، فالروائي ليس مصوراً فوتوغرافيا ينقل ما يحدث في الواقع، بقدر ما يستمد من هذا الواقع مواضيع أعماله ويضفي عليها لمسته وحرفيته وأفكاره ليصل بها إلى حيث يريد، وليخلق منها عالماً موازياً تشعر معه كقارئ أنه عالم تعرفه أو تعيشه".
كل التقدير للأخ الصديق بسام جميدة لحواره اللطيف ولفتته الجميلة.. والشكر لأسرة "الأسبوع الأدبي على عنايتهم".http://www.awu.sy/PublicFiles/pdf/alsboa/1577.pdf

الاثنين، 22 يناير 2018

ما بين الصحافة والأدب – كيف يستطيع الكاتب المزاوجة بين الاثنين وأيهما يسيطر على الآخر..؟

ما بين الصحافة والأدب – كيف يستطيع الكاتب المزاوجة بين الاثنين وأيهما يسيطر على الآخر..؟

Share Button
دمشق ـ بسام جميدة –
سؤال توجهت به لبعض ممن امتهنوا الصحافة وزاولوا الأدب «رواية أو قصة أو شعرا أو نقدا» أو العكس بينهما: كأديب، من يؤثر في الآخر أكثر، عملك الصحفي أم الأدبي، وكيف توفق بينهما..؟
البعض أجاب بكل أريحية، موضحا الصيغة والعلاقة بينهما، والبعض اعتذر بكل لباقة ومحبة، وأستطيع أن أجد له العذر الكافي، ولكن في المجمل، يمكن استنتاج الكثير من خلال هذه الإجابات، وهناك مقولة تنص على أن «الصحافة تقتل روح الإبداع لدى الأديب» خصوصا إن كان العمل في صحيفة يومية، أو حتى أسبوعية، وعمله يتطلب المتابعة الحثيثة.
يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل عن هذه العلاقة «الصحافة رزق يوم بيوم، والأدب رحيق الجمال بين صفحتي الأزل والأبد، والصحافة توجيه الحاضر لما نعتقده المنفعة، والأدب تصميم المدينة الفاضلة، والتغني بذكرها تمهيدًا لإقامتها وتشييدها..» بينما كشف الصحفي الفرنسي إيف بورتيلي وجها من المعاناة بقوله: «الأصعب هو أنك حين تشرع في كتاب وتبدأ في كتابة صفحة جديدة، فتضطر إلى التوقف مرغما لكتابة ريبورتاج في موضوع آخر مختلف».
أما الروائي الأمريكي أرنست همنغواي صاحب «العجوز والبحر»، فقد كانت له عبارة شهيرة ورددها من بعده جارسيا ماركيز: «تناسب الصحافة الروائي كثيرًا جدًا بشرط أن يعرف متى يعتزلها فيه. لا يقوم ويتأخر عنها».
أما القاص والروائي والشاعر الإيطالي دينو بوزاتي صاحب «صحراء التتار» فكان يقول في كثير من الأحيان إن خلفيته الصحفية تضفي جو الواقعية حتى على أكثر قصصه فانتازيا. وحتى لا استرسل بالشرح، سأترككم مع إجابات الضيوف.
الصحافة الأدبية صقلت موهبتي
الروائي السوري والصحفي حسن حميد قال: «أظن، أن الكتابة والصحافة عمل واحد مشطور إلى ضفتين، لكل منهما خصوصية ومميزات ومتطلبات، ولكل منهما مشتركات مع الآخر! الفارق بين الاثنين يبدو في الدرجة، والطقسية، والاهتمام..
ولكي أجلو الأمر أقول، الصحافة والكتابة شغف، وموهبة، واجتهاد، وطموح، وأهداف، وكل هذا يحتاج إلى المؤيدات، والديمومة، والتغذية الراجعة، وحب الاشتقاق، والإيمان بالقدرة على تصوير البراعة «فنيا أو تشكيلا»، والإيمان بخدمة الأهداف أو تقريبها من عالم النوال.
والاثنان معًا لا مرآة لهما سوى الناس، والاثنان معا معلقان بالشهرة وسحرها، وبالعمل وأسراره. وكلاهما بحاجة ماسة إلى الموهبة أولاً والعمل عليها ولأجلها ثانياً.ووجوه التلاقي والتباعد، والتجاذب والتنافر كثيرة، وكثيرة جدًا..
وأرى أن الصحافة التي أعمل فيها منذ أربعين سنة ذات تأثير عجيب في الكتابة، فهي تعلّم الكاتب وتدربه على إنجاز نصه بسرعة أكبر، كما تعلّمه الإقبال على نصه بحماسة أكبر، وتقول له مباشرة إن بكلمةٍ واحدة بها يُفتتح النص، مثلما هي كلمة واحدة به (النص) يُفتتَح بها المقال أو التحقيق أو الرأي، الصحافة محدلة قوية وجسورة تطوي كل العقبات، تمحو الشرود، والتأمل الطويل، وتجعل القلم يغرد وهو بين أصبعين وبثقة كبيرة، مثلما تجعل الحبر نهرًا يمتد على سطر طويل يزيد النفس بهجة كلما أضاء أكثر أو كلما رنّخ المعاني بالرواء العميم؛ وهي بهذا الأمر تؤثر كثيرًا في النص الأدبي حين تتسلل الكلمات العادية إلى النص الأدبي، فتصير الكلمات مقصوصة الأجنحة حين يُطلق النص إلى العالم الخارجي بالسرعة المعهودة في الصحافة، أي حين يكون خلوًا من التروي والتأمل والتقليب على الوجوه كلها.
والأدب يؤثر في الصحافة حين يمنح المكتوب الصحفيَّ ذرة ملح للبقاء، والثبات، والمحاججة من جهة، وحين تمنحه بعضا من أسرارها في الجذب والتشويق والتعالق من جهة أخرى، بل ربما تقوم الصحافة بهذا الدور لأنها مهمومة أصلاً بالشدّ، والجذب، عبر العناوين المثيرة، والصور، والإحالات، والوثائق.
أعترف أن الصحافة التي عملت فيها، وهي صحافة أدبية، أخذتني كثيرا وطويلاً من نصي الأدبي، ولكنها أسهمت في صقل موهبتي، وعلّمتني معنى الإنجاز، مثلما علّمتني أن كل عمل – مهما كان صعبا وخطيرا – يستسلم للقلم حين يباشره أوحين ينصرف إليه.
الصحافة والكتابة عشيقتان قريبتان من بعضهما بعضا ومتشابهتان في المتطلبات، والضغوط، والاستفراد، والاستحواذ على الكاتب، وما من شيء يوفق بينهما مثل التنظيم، والسيطرة على الوقت، وصرِّهِ من أجل واحدة منهما، ومن دون التفكير بالأخرى! أنا أعمل أديبا في الساعات الأولى من الصباح، من ساعة يقظتي حتى التاسعة صباحا، وبعدئذٍ أخلع إهاب الأديب، لأعيش ساعات في عالم الصحافة وأخبارها الدائرة مثل أطباق الفضاء.. مرات تدوخني، ومرات تسخر مني لأنني لم أقدر على منافستها!».
التوازن مطلوب
الكاتب والصحفي السوري إسماعيل مروة قال عن هذه العلاقة: «ليس مهما بأي شيء بدأت، بالصحافة أم الأدب، كلاهما كلمة وفعل رأي، أما كتاباتي فبدأت في ميدان القص والنقد. وقد وجدت لدي ميلا للصحافة وربما أجرؤ أن أقول للضوء والشهرة. عانيت في البداية لأطوع لغتي الأدبية خاصة أنني متخصص في النحو، ولكن التدريب المستمر جعلني قادرًا على التعلم مبكرًا. نشرت المقالة الأولى عام1985ومن بعد أعجبتني اللعبة، فما يحققه الإعلام من شهرة ومعرفة لا يحققه الأدب. كنت أمارس تدريسي الجامعي وأحاول إيجاد طريق في الصحافة، وقد تمكنت من تحقيق شيء قد يكون جيدًا وقد لا يكون، خاصة أنني دلفت إلى الصحافة من عالم الأدب، وفي رأيي أن الصحافة الثقافية يجب أن يعاد لها الألق كما كانت أيام طه حسين والمشايخ الكبار…. أحاول فيما أكتب أن أبتعد عن الآنية فتمكنت من جمع كثير مما نشرت في كتب… وفي الوقت نفسه أسرق وقتا كافيا للقصة والرواية والوجدان ونشرت 17 مجموعة قصصية إضافة لثلاث روايات وعدد من الكتب النقدية والتراثية…من وجهة نظري أن الإعلام والشهرة قد يستهويان الأديب فيبعدانه نوعًا ما عن الأدب. ولكن الأمر يختلف بشيء من التنظيم…إن لقمة العيش وتكاليف الحياة تنتصر للإعلام ولا أعد الأمر سيئا. فالإعلامي الناجح قد يؤدي دورا لا يؤديه الأديب. وفوق ما قلت الأدب حالة فردية أنانية والإعلام حالة مجتمعية… أنا سعيد بكليهما ولم يسيطر أحدهما على الآخر وإنما أفدت منهما… وعشقي التدريسي باق لا أتخلى عنه».
كلاهما مفيد للآخر
الروائي والصحفي السوداني عماد البليك قال: «انظر لعملي الصحفي والأدبي متكاملين لا أفصل بينهما، وحيث إنني استوحي بعض القصص الصحفية التي أتابعها يوميًا في تشكيل بعض رواياتي كرواية ماما ميركل على سبيل المثال، لكن بعد إضافة الجانب التخييلي من عندي.
الأدب من جهته يؤثر في الصحافة ويشكل طريقة كتابتك للأخبار والتقارير ويمنحك خيالًا في التعرف على البعد الثاني من كل شيء، فالصحافة هي تخييل أدبي في حيز واقعي، وهذا ضروري لإعطائها الطابع الفني والجمالي.
إذن أوفق بين الاثنين من خلال تكاملهما وليس فصلهما، وبحيث يصبان في مهمة واحدة هي رؤية الحياة بوجهات مختلفة وجديدة وتأملها بأكثر من وجه وفهمها».
لهذا مزقت روايتي
الروائي والصحفي السوري عدنان فرزات له رؤية خاصة في هذا المجال: «إذا قرر الإعلامي أن يصبح روائيًا أو العكس، فلن ينجح إلا في حالة واحدة، هي أن يصيب نفسه بانفصام قسري عندما يكتب أحد النوعين.
جابرييل جارسيا ماركيز كان يقول سأعيد للصحافة لغتها الأدبية، وعلى الأغلب نجح لأنه فصل تمامًا بين شخصيتيه الصحفية والروائية.
هناك نقطة مهمة، فالصحافة إذا تسللت للرواية أفسدتها، ولكن العكس جيد، أي إذا تسلل الأدب إلى الصحافة أصبحت الكتابة الصحفية أجمل، على أن يكون ذلك بقدر معقول، فتلاحظ اليوم أن الصحافة بدأت تجنح نحو التقارير الصحفية السردية، أي يعرض الصحفي للحدث من خلال قصة ولها بطل أيضاً أحيانا، فتجد التقارير في الصحف الأجنبية مثلاً يتناولها الصحفي من خلال حكاية شخص ما يكون هو مدخل الحدث، وزادت اللغة الأدبية في الصحافة بعد أن اختفى السبق الصحفي من الصحف، لم يعد هناك خبر في الصحف الورقية يسمى سبقًا لأن الفضائيات تحرقه أولاً، وكذلك مواقع التواصل الاجتماعي، لذلك جنحت الصحف اليوم للصحافة الحكائية.
بالنسبة لي، في بداية تحولي من الصحافة للرواية، مزقت عملاً كاملاً وأعدت كتابته حين اكتشفت بأن الإعلامي الذي بداخلي سيطر على الروائي السردي، فقمت بإلغاء العمل كله وأعدت كتابته من جديد، هي رواية «جمر النكايات». لقد حيّدت الإعلامي من جديد وكتبت بموهبة الروائي والحمد لله نجح العمل.
ولكنني تركت منذ البداية الروائي له سطوة أكبر على الإعلامي، فكتبت الصحافة بلغة أدبية، لذلك يمكنني القول إن الأدب هو الذي أثر على الصحافة عندي وليس العكس.
ولكن أحياناً قليلة جداً وبعد انتهاء الرواية أجد أن الصحفي تسلل على غفلة مني بين السطور، ولكن لم يكتشفه إلا ناقد بارع».
أخلع ثوب الروائي إلا قليلا
الكاتب والصحفي السوري محمد تركي الدعفيس أجاب: «كلا العملين يؤثر في الآخر، ثمة أديب يكتب الصحافة، وثمة صحفي يكتب الأدب، لكن المهارة والخبرة والتجربة تحتم، ليس الفصل، وإنما النجاة من طغيان أحدهما حتى لا يؤثر أو يعطل عمل الآخر.
الرواية ابتداء ومفهومًا هي جنس أدبي يعتمد السرد والنثر، ويجمع جملة من العناصر هي الراوي والأحداث «أو الحكاية» والشخصيات والزمان والمكان.
والروائي عمومًا يحتاج تجربة وخبرة حتى يستطيع الإلمام بهذا العالم الذي يبنيه من الخيال أو حتى يستمد بعض أركانه من الواقع، وبالتالي فإن مهنته تلقي بظلالها على تجربته وخبراته، وتنعكس من حيث المحصلة على إنتاجه الأدبي.
الروائي ليس منعزلاً عن عالمه، ولا بد أن تتسرب خصوصيات مهنته بشكل أو بآخر في نتاجه، وقد مارست الصحافة قرابة الثلاثة عقود، كنت أتعاطى خلالها مع الناس مباشرة.. مع مخاوفهم، وآلامهم.. مع أمنياتهم وأحلامهم، وكثيرًا ما لعبت دور المستمع لآخرين كنت أحثّهم، أو أجد لديهم الاستعداد الفطري للبوح بمكنوناتهم ومتاعبهم، ولذا فقد تركت هذه المهنة أثرها في نتاجي، حيث كنت أترك للآخر مساحات واسعة للتعبير عن نفسه، وأتفهم دوافعه ومبرراته، وأعرض كثيراً لتجاربه وتطلعاته.
في كلتا المهنتين هناك مساحة لا بد منها للاهتمام بالزمان والمكان، لذا أوليت هذين العنصرين مساحات من تركيزي في أعمالي الروائية، حتى حين أتعمد ألا أسمي المكان في عمل ما، فإنني كنت أتركه فضاء مفتوحاً يمكن أن يكون أي مساحة جغرافية يعيها القارئ ويعرفها.
وكلتا المهنتين تركزان على التفاصيل.. تفاصيل الحدث، تفاصيل شخصياته وخلفياتهم، كما تركزان كذلك على الوصف، ولذا فإن للتفاصيل في أعمالي أهميتها البالغة في رسم الصورة الكاملة التي أنشد إيصالها.
أما تأثير الأديب على الصحفي، فهو يظهر في المفردات المستخدمة في الكتابة الصحفية، وفي طريقة السرد، وفي القدرة على ربط المعطيات بعضها ببعض.
أما كيف أوفق بينهما، فذاك يحتاج ميزانا دقيقا من الوعي بمتطلبات كل منهما، ففي الصحافة ثمة حياد، وإقصاء لوجهة النظر، على عكس الأدب أو الرواية التي تنطلق في الغالب في بنائها وشخوصها من وجهة نظر كاتبها أو حتى رؤيته لعالمها.
في الصحافة توجد مصداقية، واعتماد على التوثيق، فيما الأدب مساحة من فضاء وخيال، وتمرد على الضوابط والقيود.
وحين يعي المرء الفوارق بين العملين، فيخلع رداء الروائي إلا قليلاً (وهذا القليل لا يمكن التملص منه نهائيًا) حين يعمل في الصحافة، ثم يترك ثوب الصحافة خارج غرفته حين يبدأ عمله الروائي، فإنه يهيئ كلا العملين للنجاح دون أن يطغى أحدهما على الآخر حد إفساده».
للأدب مبدعوه
الكاتبة اليمنية والصحفية انتصار حسين السري: الصحافة هي من تخدم الأدب، من خلال نشر تلك الإبداعات عبر صفحاتها الصفراء، وليس بالضرورة أن يكون الصحفي أديبا ..بل إن الصحافة لها لغتها الخاصة، التي هي قريبة من عامية (اللهجة) الناس، والتي تقرأ يوميًا في الشارع.. لكن الأدب له مبدعوه الذين قد يشتغلون وينجحون في مجالات أخرى مثل الطب والهندسة والتدريس. قد يشتغل الأديب بالصحافة وهنا نقول إن الأدب خدم الصحفي ..قد تكون الصحافة بالنسبة للأديب رزقا وأكل عيش مع أنها أيضا لا «توكّل» عيش في هذا الزمان، وهناك العديد من الأدباء الذين امتهنوا مهنة الصحافة وأبدعوا فيها بجوار الأدب واشتهروا فيها.
أعرف بعض الزملاء الصحفيين الذين اتجهوا نحو الأدب، والذي ظنوا أنه سهل وفي متناول الجميع وليس ملكة وموهبة لا يمتلكها الكثير. فعندما نقرأ ما يكتبون وخاصة في الرواية نجدها كتبت بلغة ركيكة لا تجد فيها فن الحبكة والسرد وتكون عادة عبارة عن تجربة ذاتية أو سيرة ذاتية تخلو من جماليات الإبداع وهذا ما يحسب عليهم.. غير الأديب الذي يمتهن الصحافة وينجح في عمله كصحفي .
البلاغة في الإيجاز: الكاتب العراقي حبيب محمود أجاب باقتضاب: « الصحافة مهنة، الأدب حياة. التوفيق بينهما صعب.»
الصحافة لغة، والأدب خلاص
الكاتب المصري يوسف القعيد وفي أحد لقاءاته قال: «في الصحافة كما في الأدب المادة واحدة هي الكلمة المكتوبة، لكن ما أبعد المسافة بين كلمة وأخرى، ففي الصحافة: الكتابة لغة. وفي الأدب: الكتابة خلاص. في الصحافة اكتب لأن هناك بيتا وأولادا ومطالب للحياة اليومية، ولأن الدخل اقل من الإنفاق. ولكن في الأدب اكتب لأن هناك هما أو أرقا أو مشكلة، الرغبة في البوح هي الدافع الأول للكتابة. كتابة هي السماء: الأدب. كتابة ما دون الأرض: الصحافة.
ولذلك لا بد من فك اشتباك أصيل وحقيقي بين هذه وتلك. وفك الاشتباك هذا مطلوب مني حتى تأتي اللحظة المناسبة التي اترك فيها العمل الشخصي إلى الأبد».
شعاري الآن: «ما للأدب للأدب وما للصحافة للصحافة». و« لعن الله اليوم الذي عملت فيه بهذه المهنة، وقرّب يوم البعاد بيني وبينها».
غائبون
طبعا هذه شريحة من الأدباء ممن يمتهنون الصحافة، وصحفيين يمتهنون الأدب، وجميعهم يمنحون العمل الآخر شيئا من روحه وإبداعه، وربما دفعتهم الحاجة المادية التي لم يكشف الكثيرون عنها لمزاولة الصحافة إلى جانب الأدب، الذي على حد قول أحد الكتاب الذي لم يشأ أن يكون بيننا لأسبابه الخاصة «الأدب لوحده لا يطعم خبزًا» ولو توفرت للأديب سبل الإبداع والعيش الرغيد لاكتفى، ولو لم تجذب الشهرة كثيرًا من الصحفيين لما دخلوا عالم الأدب، ولما كسروا مقولة «الصحافة تقتل الإبداع عند الكاتب».
توجهت لكتاب عرب كبار يعملون في المهنتين معا، ولكنهم آثروا عدم الإجابة لأسباب تتعلق بهم، واحترمت أعذارهم، وبالمقابل كانت هناك آراء كثيرة سمعتها، وقرأتها عن هذه الحالة المحملة بالجهد الكبير، والمشقة في الإبداع عموما، ولو سردتها لاحتجت إلى كتاب بحد ذاته لكي استخلص منها دروسًا وتجارب مفيدة.
والقائمة تطول
من الكتاب العالميين الذين زاوجوا بين الصحافة والأدب هناك، همنجواي، جارسيا ماركيز، سارتر، ألبير كامي، ومن العرب كان نجيب محفوظ، إحسان عبد القدوس، فتحي غانم، الطيب صالح، غسان كنفاني، جمانة حداد، إلياس الخوري، قاسم حداد، عبده خال، خليل صويلح، عبدالله الحامدي، حجي جابر، خيري شلبي، جمال الغيطاني، فاروق جويدة، إيليا أبو الماضي، وغيرهم الكثير.

الأحد، 14 يناير 2018

جريدة السياسة الكويتية تحاور محمد تركي الدعفيس عن أعماله الروائية

كاتب سوري يرصد التحولات التي أوجدها الصراع في بلاده

محمد دعفيس: اكتشف عشقي للرواية… فاستقريت على ضفافها


القاهرة – أحمد الجدي:
محمد الدعفيس، كاتب سوري أصبح من نخبة الروائيين السوريين في وقت سريع، حيث كانت 3 أعمال أدبية في فن الرواية تحديدا كفيلة بأن تجعله واحدا من أصحاب لقب أكثر الكتب مبيعا وقراءة ليس في سورية فقط بل في العالم العربي كله.أصدر الدعفيس 3 روايات حققت نجاحا كبيرة وهي «الرصاصة تقتل مرتين»، و»قوافل الريح»، و»هي والراهب»، وشاركت هذه الروايات في معرض القاهرة الدولي الماضي للكتاب، وحققت نجاحا كبيرا.
الدعفيس في حوار خاص لـ «السياسة» يتحدث عن أعماله السابقة والمقبلة، ويوضح أسباب اختياره الدائم لسورية كبطل مكاني لرواياته ومجموعاته القصصية دون غيرها من الدول لعشقه الكبير لها وتأثره الشديد بكل ما يحدث فيها.. للمزيد من التفاصيل الى نص الحوار:
– في رصيدك الروائي حتى الآن ثلاث روايات هي «الرصاصة تقتل مرتين» و»قوافل الريح» و»هي والراهب».. ماذا أردت أن تقول من خلالها؟
/ الرواية لوحة بيضاء من حيث الابتداء، يترك مؤلفها عليها رؤيته للأشياء من حيث الانتهاء.. أو بمعنى آخر هي رؤيتنا للحياة، ومن هنا تجدني في كل هذه الروايات بقدر أو بآخر، فأنا أرافق شخصياتها، أدير صراعاتها، أحدد مآلاتها، ولا أفرض ذلك بسطوة المتحكم، بقدر ما أترك للعمل أن ينساب في عوالمه سواء التخيلية أو الواقعية حتى يحقق في النهاية مبتغاه.في كل رواية كانت هناك رؤية أو وجهة نظر، ففي «الرصاصة تقتل مرتين»، وهي بالمناسبة باكورة انتاجاتي الروائية ومفتاح مشروع طويل أعمل عليه يتناول الأوضاع في بلدي سورية، ثمة ادانة للعنف والعنف التبادل، وثمة انتقاد للانتهازية، وثمة توصيف لمآلات أبطال التغيير الحقيقيين الذين يتخطاهم الانتهازيون في الأزمات فيقفزون على المكاسب ويشوهون حتى أهداف التغيير.
وفي «قوافل الريح» وهي جزء آخر من المشروع ثمة معادل لقوافل الموت، فالنزوح الى المخيمات وان كان خيار أولئك الذين تركوا الحرب جانباً فلم ينضموا لهذا الطرف أو ذاك لأنه لا قبل لهم بتبعاتها، بدا أنه خيار مقيت، فالمخيمات لم تكن ولن تكون يوماً بيئة صالحة لمستقبل مأمول، وفي رحلة هؤلاء بحثاً عن ملاذ من جحيم الحرب واجهوا جحيم الاستغلال، وجحيم الجنون، وجحيم الهوان والضعف.أما «هي الراهب» وان بدت بعيدة بعض الشيء عن المشروع، الا أنها تتداخل معه، وهي تتطرق الى أن الصراع بين أتباع الأديان يمكن أن تشعله قصة غرام عابرة حتى لو كان أطرافها غير منزهين عن الأخطاء.
الفصحى والعامية
– في بعض الأعمال زاوجت بين الفصحى والعامية.. الى أي حد يمكن أن يؤثر هذا في فهم العمل الذي ترمي اليه بالسبة لغير العارفين بهذه العامية؟
/ ظهرت العامية بشكل محدود للغاية وفي حوارات بعض الشخصيات، وكان بناء الشخصيات هو الناظم والمؤثر في هذا الشأن.. فحين يتحدث فلاح عجوز، أو نجار طاعن في السن لم يتلقيا تعليماً، وهما ينتميان الى أحد الأرياف يصبح من المنطقي للغاية حتى وان تحدثا بحكمة أن يصيغا عباراتهما بلهجة محكية تنبع من فضائهما المكاني وحصيلتهما الثقافية.وفي العموم اخترت عامية بسيطة يمكن فهمهما بكل بساطة لكل قارئ يتناول العمل حتى وان كان بعيدأ عن البيئة الجغرافية لهذا العمل، وأعتقد أن مثل الخطوة حققت مصداقية أشد للعمل.
– رغم حرصك على الفضاء المكاني، الا أنك لم تحدده بشكل قاطع في أعمالك الروائية.. هل كان هذا مقصوداً؟
/ نعم، الى حد بعيد.. البيئة التي اخترتها هي وطني سورية.. في كل عمل ستتلمس ذلك، لكني لم أحدد المنطقة الجغرافية بتعمد، لأن ما يحدث كان شيئاً عاماً.. يحدث في كل منطقة من هذا الوطن.. وهو يتكرر ربما بتفاصيل مختلفة قليلاً لكنه تكرر في صورته العامة.
– يقول البعض أن الكتابة عن الجغرافية المحلية ربما يحد من تعميم العمل، وربما يقلص مساحة قرائه، ما ردك؟
/ لا أتفق مع هذا القول، فكثير من الأعمال الأدبية حققت عالميتها انطلاقاً من اغراقها في محليتها، وانطلاقاً من صدقها وعبقرية أمانتها مع محليتها.. انظر مثلاً الى أعمال حامل جائزة نوبل نجيب محفوظ التي غاصت في عمق الحارة المصرية.. اقرأ «موسم الهجرة الى الشمال» للطيب صالح والتي تعد من أفضل مائة عمل روائي في العالم.. المسألة لا علاقة لها بتحديدك مساحة لتبتدع عملك في اطارها، بقدر ما يحمله العمل نفسه من أهمية، ومن قدرة على مخاطبة القارئ وملامسة انسانيته.
في اهداء روايتي «الرصاصة تقتل مرتين» قلت «الى كل الضحايا».. الضحايا ليسوا فقط من سقطوا في وطني.. ربما هم كل من طحنتهم الحروب في أي مكان في العالم، خصوصاً تلك التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
ازمات
– من المؤكد أن الأحداث السياسية والأزمات التي يعيشها الوطن العربي أثرت في أعمالك؟.. كيف ترى تأثير هذه الأحداث في النتاج الأدبي؟
/ لنتفق بداية أن الرواية عالم تخييلي، لكن هذا لا يبعدها عن كونها جنساً أدبياً يصور الواقع الاجتماعي في مختلف مراحل تطوره وحالاته، وهي تتشرب ملامح التيارات الفكرية وظروف الناس وتقف على مسيرة الخلل في مشوار الانسان العادي، فالنص الأدبي من حيث المحصلة هو امتداد لواقع الأديب.
والرواية عموماً تلتقط التحولات وعلاماتها، وتعرضها عبر شخوصها وأحداثها بعيداً عن البوح المباشر، وان كان التراكم يكشف أحاسيس ووجهة نظر الكاتب.
وبالتالي فان تأثر الأديب بما يحيطه من أحداث أمر منطقي وطبيعي، ولذا تفاعل كثيرون مع هذه الأحداث وأنتجوا أعمالاً نالت جوائز مثل «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي و»الطلياني» لشكري المبخوت، كما تفاعل آخرون مع قضايا وطنية واجتماعية ذات عمق في محيطهم الوطني وأنتجوا أعمالاً لافتة مثل «ساق البامبو» لسعود السنعوسي أو «سمراويت» و»مرسى فاطمة» لحجي جابر، ناهيك عن أعمال عظيمة أخرى لعبده خال وعبدالرحمن منيف وحنا مينة وغيرهم وغيرهم.
– ألا يخشى الكاتب وهو بهذا الارتباط مع الواقع أن يتحول الى مؤرخ حين يتناول الأحداث السياسة الآنية؟
/ في الاجابة السابقة ركزت على ابتعاد الروائي عن البوح المباشر، ولعل هذه النقطة تحديداً هي التي تمثل الفارق بينه وبين والمؤرخ، فهو يعبر عن رؤيته وما يريده من خلال الفعل، بما يشد القارئ لمشاركته في اتخاذ موقف ما، عكس المؤرخ الذي يلجأ للفظ العاري المجرد والمباشر.
مهارة الروائي تكمن في كيفية توظيف المادة الخام بين يديه وكيفية عجنها وصياغتها والباسها اللباس اللائق، وفي كيفية اقحام القارئ في أحداثها بما يجعله مشاركاً في أحداثها، باستخدام قدر من المغامرة والاثارة التي تدفع القارئ للبحث عما حدث وماذا بعد أن حدث.
– تضع اعتباراً بالغ الأهمية للقارئ.. كيف تراقبه وأنت تكتب؟
/ من المؤكد أن للقارئ أهمية قصوى، لكني مع ذلك أعرف أنه يتناول العمل وفق مزاجه الآني حين القراءة.. أحاول دوماً أن أكون قريباً منه، أحادثه من خلال العمل كصديق يبثه أسراره، وأحياناً وفق هذه الرؤية اختار نوعية السارد في العمل.
بعد انتهاء العمل وطرحه يموت المؤلف حسب رؤية الفرنسي رولان بارت، وتنحسر العلاقة بين النص وكاتبه، ولا يعود بامكان المؤلف الدفاع عن آرائه أو مقاصده لأنها غير مهمة في نظر القراء والنقاد، ولذا فمراقبتي للقارئ تتمثل في مدى الاقناع الذي أقدمه له من خلال العمل، ومدى الاحترام الذي أكنه لعقليته وذكائه، ولذا كثيراً ما نحرص نحن الرواة على عرض أعمالنا قبل دفعها للطباعة على مجموعة صادقة من القراء القساة ممن نثق بأحكامهم وبعدهم عن المجاملات لنستطلع الانطباع الأول عن العمل، ونعرف بالتالي مكامن عدم الاقناع فيه لتصويبها.
– كانت لك تجارب في القصة.. ماذا عنها؟
/ قبل عملي الروائي الأول، أصدرت مجموعتين قصصيتين، الأولى حملت عنوان «رحيل».. والثانية وكانت قصص قصيرة جداً بعنوان «لا وقت للحلم».. وسبقت ذلك بنشر مجموعة من النصوص في كتاب حمل عنوان «على حافة الأمنية».. كل هذه كانت بمثابة ارهاصات وتجارب في عالم السرد، مهدت في النهاية لولادة الروائي داخلي، وبعدها عرفت أنني أعشق كتابة الرواية، فاستقريت على ضفافها.
– تعاملت مع دور نشر عدة.. كيف تقيم تناولها للأعمال الأدبية؟
/ بصراحة، هناك تفاوت كبير، كثير من دور النشر يهمها أن تحصل على المقابل النقدي، وهي تكتفي بطبع الكتاب ودفعه للسوق، وكأن مهمتها انتهت.. فيما هناك دور نشر جيدة وتستحق مسماها تعنى بالمؤلف والكتاب، ولا تجيز كتابا ضعيف المحتوى، كما تحرص على الترويج لكتبها عبر المعارض والمناسبات ووسائل التواصل وغيرها من الوسائط الاعلامية.
وشخصيا تعاملت مع عدة دور نشر لها حضورها مثل دار مدارك والدار العربية للعلوم (ناشرون) ومؤسسة الانتشار العربي، لذا زارت رواياتي معظم المعارض العربية.
على المستوى العربي ما زلنا نفتقد الدور الفاعل لدور النشر المتخصصة التي يمكنها حتى أن تتعاون مع الكاتب في نقد العمل وتوضيح أين وقع مثلاً في الاطالة والمباشرة، وأين وقع في السهو، وأين كان يمكن أن يطور من حواراته.. نفتقد عملياً دور المحرر الأدبي، وربما ما زال مفهومه غريبا عن دور نشرنا، ولذا يتحمل الكاتب لدينا مسؤولية عمله من الألف الى الياء.
– هل ساهمت دور النشر هذه وغياب المحرر الأدبي في انتشار أعمال غير لائقة؟
/ حتماً، بعضها يستسهل، ويكفيه الحصول على المقابل النقدي بغض النظر عن المحتوى.. صحيح أن لكل كاتب قراؤه، وأن عملية الاصطفاء متروكة لذائقة الجمهور، لكن انتشار الرديء سيؤثر على الجيد، أو على الأقل يشوش على فرص وصوله بشكل أسرع للجمهور.
– ألم تفكر بتحويل أي من رواياتك الى عمل درامي؟
/ للحقيقة فكرت، وربما هو مشروع مؤجل بانتظار المنتج الذي يقتنع بتقديم عمل يرصد آلام الناس وصراعاتهم وطموحاتهم.. المسألة رهن بالآخر القادر على تحمل هذه المغامرة وليس بي.. فشخصياً ربما لا أشترط الا أن يخرج العمل مخرج يحسن القراءة ويؤمن بأن أهم ما يجب تناوله وعرضه هو أوجاع الناس وعذاباتهم.
– ما عملك المقبل؟
/ هي رواية تحمل حالياً اسم «البلم» ستأتي ضمن المشروع الكبير الذي أعمل عليه لرصد التحولات التي يخلفها الصراع في بلدي وانعكاساته على عامة الناس، وأتمنى أن تنجح هذه الرواية نفس النجاح الكبير الذي حققته أعمالي السابقة وأن تنال اعجاب متابعين.

الأربعاء، 10 يناير 2018

الأستاذ محمد ضيف الله القاعد يقدم وشوشات عن "البلم"



وشوشات... Mohammed Aldafess
إهداءإلى الرجل الذي قرأت في عينيه عظيم فخري حين سطرت أول كتاباتي إلى والدي.
والده الذي عرفته وخبرته صديقا حاضر البديهة حاد الذكاء ناصرا للحق ونصيرا، ولأن من برالوالدين إكرام صديقهما، فقد حباني بنسخة الكترونية لنتاجه الخامس.
فكان بره وسام فخر وتاج بر وجدت فيه أن من يتقن قراءة العينين يجيد قراءة القلوب بل يحسن قراءة الألوان والأشكال والأجساد ولا أبالغ حين أقول أن لديه دقة في الرؤيا وجمالا متميزا في الوصف والتوصيف يجعلك تعيش الواقع المدون أو المقروء حتى يخيل اليك أنك ستشارك شخوصه في مداولاتهم هذا ما لمسته في الهبة التي أكرمني بها انها رواية ( البلم) حاولت معرفة كنه البلم نكرة أو معرفة فلم أفلح هرعت بعدها الى أقرب معجم مدرسي أستطلعه فما عثرت الا على بلم ، فكان لابد ان أستطلع الرواية بشوق العاشق مشفوعا بمتعة القراءة وما أن وصلت الى المحطة التي التقيت فيها بالبلم حتى رأيتني أكثر اندفاعا بمتابعة القراءة بأنفاس متلاحقة ولئلا أحرمكم متعة البحث و نشوة الغوص بين مفردات الرواية لن أبوح بالسر ..
ففيها مذاق طيب لعبارات تقطر شهدا وتنفرد ندرة انها طريق الحرير الذي سلكه المعذبون والطامحون ، سلكه الناس بكل أعمارهم وأطيافهم اصطيادا لوعود معسولة زينوا بها شاشاتهم المقروءة والمسموعة فلم يجدوا الا طريق الحديد ، حين دخلت بستان البلم قادتني أزاهيره وثماره الى حدائقه الثمانية أشتم عبير زهرة وأتغزل بلون ثمرة غراس هذه الحدائق يمرون أمام ناظريك وفيهم براءة الطفولة وطموح الشباب وعبثية الضائعين وحرص الكهولة وجشع السماسرة وعفة الأنوثة والمتاجرة بها ، قصص الحب و العشق تراوح بين عذرية مجنو ن ليلى وحبه و اباحية عمر بن ابي ربيعة وعشقه ..
أما ادوارهم فتنبئك بها سيماهم التي رسمها قلمه بكلمات غلفها بظلال تأخذك بشتى الاتجاهات وسحناتهم التي صورتها ذهنيته الصافية بتشبيهات بكر تضعك أمام حقائق ناصعة وفاضحة ، فالركض مسعور، وضياء الشمس كحياء فتاة جاءها..... أما الصبر والصمت فصهباء معتقة ، والفزع طيور فرت من بنادق صياديها ، الملامح بدت جامدة مثل حقل لم يحرث منذ سنوات ، أما الأمهات هن اختزال الجمال وصورته البديعة ، البلم فيها قسوة الغربة وذل الإنكسار ،
أطيب الأماني للروائي الصاعد محمد تركي الدعفيس على أمل اللقاء مع الأروع والأجمل

الثلاثاء، 6 ديسمبر 2016

الخيانة والخطيئة في رواية «هي والراهب» للسوري محمد الدعفيس مقالتي في القدس العربي

http://www.alquds.co.uk/?p=640556

لخيانة والخطيئة في رواية «هي والراهب» للسوري محمد الدعفيس
Dec 06, 2016

عمان ـ موسى إبراهيم أبو رياش: «هي والراهب» رواية للسوري محمد تركي الدعفيس (دار مدارك للنشر، دبي 2016، 169 صفحة)، تتناول حكاية سراب الطالبة الجامعية، التي نشأت يتيمة فقيرة محرومة من أشياء كثيرة. تأسرها روايات الكاتب أحمد الصابر، الذي تربطه بوالدتها صلة قرابة، فتهيم مع مغامراته النسائية المتخيلة في رواياته، وتنجذب إليه وهو الكهل في عقده الخامس، بحثا عن أبوة فقدتها صغيرة، ومغامرة حية تعيشها معه كبطلة كما كانت تقرأها عن غيرها من الجميلات: «حين أقرأ إحدى رواياتك ارتدي ثوب البطلة، قفازيها، حذاءها.. أسرّح شعري مثلها، أربط شالا على عنقي كما تفعل».
اعتزل أحمد الصابر الحياة بعد وفاة زوجته ليلى مريضة، واكتفى بالعيش مع شخصيات رواياته يحركهم ويحاورهم ويستنطقهم، بالإضافة إلى صديقه الوحيد طبيب العيون عامر، الذي يدعوه للخروج من عزلته، فيفلسف عزلته قائلا: «أكسر أطواق العزلة كما ترونها أو تصفونها أنتم بالعوالم التي أخلقها على الورق، أصادقُ شخصيات أعمالي، أحادثها، أجادلها، أختصم معها أحيانا، أهملها أخرى، أرسم مصائرها، أقودها إلى النهايات التي أريد، أحمّلها ما أعتزم قوله، أرى العالم الذي تعيشونه أنتم من خلالها هي».
تنجح سراب عن طريق البريد الإلكتروني في إخراج أحمد الصابر من عزلته ورتابة حياته التي يصفها في رسالته الإلكترونية لها: «لا أملك سوى الوقت الممض، لستُ نمطيا في طقوس حياتي، لا شيء بعينه يشغلني، لا أترقب مشارف الفجر لأصحو، ولا أهجع حين تغفو عيون المساء، أنام فقط حين تنهار مقاومتي وأعجز عن السهر، وأصحو فقط حين أضجر من فراشي، هكذا أنا، ألوك هواجسي بلا مواعيد، ولا مقدمات.. أكره الساعة، أنفر من صوت عقاربها التي تمارس مللا رتيبا بإيقاع متكرر، كأنه صفير ريح في مقبرة نائية». يجد أحمد الصابر في سراب مخرجا لطيفا مغريا مما هو فيه، على الرغم من فارق السن، فأغدق عليها الحب والحنان، ووهبها الهدايا الكثيرة كتعويض لحرمانها التي كانت تشكو منه كثيرا. ومع أنه صارحها أنه عقيم، وأنه لن يستطيع أن يحقق لها حلمها بطفل أشقر، إلا أنها تتمسك به مكتفية بحبه، وأنها لا تريد طفلا إلا إذا كان منه. وفي خضم هذه العلاقة المفتوحة تعرفت على الراهب الجذاب لوقا، الذي فتن كثيرا من النساء، فانجذبت إليه، لتثبت لنفسها قدرتها على الفوز بالرجال وامتلاكهم، فهي تحب أصحاب التجارب الذي يحفظون أسرارها: «شعرت بأن جاذبيته تطغى عليها، وتشدها إليه أكثر، ربما كان الرجال الناضجون ذوو التجارب يثيرون شهيتها.

ان شيءٌ ما داخلها يغريها بالرجال ذوي التجربة.. الرجال الذين عرفوا أكثر من أنثى.. كانت تشعر أن فوزها بأحدهم بمثابة انتصار شهي يؤكد تفوقها على الأخريات اللواتي لم يعانين مثلها، ولم يسحق الفقر أحلامهن، كان انتزاعها رجلا منهن يشبع غرورها، ويشعرها بالرضا، فتنتشي طربا أنها هزمتهن، رغم أنها لا تمتلك مثل أسلحتهن». فوجدها الراهب فرصة ليتعرف طعم الحب مع فتاة مسلمة، فهي ستكون تجربة جديدة مثيرة، وعلى الرغم من تبعاتها المستقبلية المتوقعة، إلا أن إغراء التجربة، واندفاع سراب وكسرها كل الحواجز أوقعاه في المحظور دينا وعرفا. ولما افتضح أمره، ربما بتخطيط من روزالين خادمة الدير التي كانت ترعاه وتدافع عنه بشراسة، هرب من المدينة إلى دير ناء في الصحراء، وتسبب في فتنة طائفية قطعت أوصال العلاقات بين الجيران والأصدقاء، وأفسدت تاريخا من المحبة والوئام والانسجام. استعذبت سراب طعم الخيانة، فقد كانت تخون الرجلين كلا مع الآخر، وربما كان هذا يشعرها بالزهو أن تستحوذ على رجلين كهلين مشهورين محبوبين، ولما انكشف سرها مع الراهب طلبت من أحمد أن يسامحها وأن يبقوا أصدقاء بعد أن رفض عرض الزواج منها. وخوفا على حياتها كان لا بد أن تسافر، ولجأت الأم إلى أحمد ليساعدها على نفقات سفر ابنتها وهي تجهل العلاقة بينهما، فسارع بمنحها ما تريد، وسافرت سراب، وركبت البحر حيث لقت حتفها. هربت من الموت فوجدته في انتظارها. نهاية سراب، كانت مفجعة وقاسية، وهي بالتأكيد مقصودة، مع أنه كان بالإمكان اللجوء إلى نهايات أخف وطأة، ولكن الطيش والتهور والجرأة الكبيرة، وعدم تبصر العواقب يُردي المرء ويوقعه في المهالك، فللمجتمع قوانينه التي ينبغي عدم التعامي عنها، وإن كان لا بد فبحكمة وروية وحساب للعواقب.
سراب هي الشخصية المحورية في الرواية، وقد كانت بالفعل مجرد سراب خادع للجميع، فقد عاشت في سراب من وهم الانتصار والامتلاك، وانتهت حياتها كأن لم تكن. تسخر الرواية من تعامل المجتمع مع العلاقات بين الرجل والمرأة، فإذا كانت العلاقة بين رجل وامرأة من الدين نفس
ه، فيتم التعامي عنها والتسامح معها، وإذا كانت بين اثنين مختلفي الدين، تثور ثائرة المجتمع، ويندفع لمسح العار بالتخريب والتدمير والحرق، وقطع العلاقات بين جيران العمر، لكأن العلاقة هنا مشرعنة، وهناك خيانة للدين واعتداء على حرماته ومقدساته.
هذا العبث تحت راية الدين، يدل على هشاشة وخلل ما، فلا علاقة للدين فيما حدث، ولا ينبغي أن يكون الدين تبريرا لما يحدث. وعندما تنجلي الصورة، وتتوضح الأحداث، ويوضع كل شيء في مكانه الصحيح وبحجمه الطبيعي، تعود المياه إلى مجاريها بين الأصدقاء والجيران، ولكنها ستترك شرخا في الأعماق. تسخر الرواية أيضا من الكهول الذي ينساقون وراء شهواتهم مع فتيات بعمر بناتهم، الأول لتخضرَّ حياته بعد ذبول وضمور وعزلة جففت قلبه وأمحلت حياته، والآخر رغبة في أن يخوض مغامرة مع فتاة من غير دينه، لها نكهتها المختلفة. فعاد الأول إلى عزلته بعد أن اكتوى بنار الخيانة كما ذاقها صديقه عامر مع صاحبته مريم، والثاني خسر منصبه ومكانته، وهرب إلى الصحراء بعد أن أشعل النار خلفه.
تؤكد الرواية حقيقة الضعف الفطري الإنساني، الذي لا يفرق بين صغير أو كبير، أمي أو متعلم، راهب أو غير راهب، فالكل معرض لأن يقع تحت سطوة الإغراء، وخاصة الذي يجيء على طبق من ذهب، يقتحم اقتحاما ولا يترك مجالا للمداراة أو التغافل. فالعصمة لا تصنعها الألقاب والمناصب، وربما كانت الآلقاب ستارا تخفي خلفها كل نواقضها.
تحذر الرواية من الفتنة الطائفية التي قد تشعلها قشة، وهذا يتطلب الالتفات إلى هذه الثغرة الخطيرة، وتمتين الجبهة الداخلية، والتأكيد على قوة العلاقات بين مكونات المجتمع الواحد، وألا يُسمح لأحداث عابرة أن تهدم البناء المتماسك، وتفصم عُرى العلاقات الأخوية. تتميز الرواية بلغة جميلة شفيفة آسرة، لا تكلف فيها ولا تقعر، لغة سلسة تنساب كنهر رقراق يروي الظمآى، ويسر الناظرين، وبناء روائي متين جذاب، نجح في الإمساك بالقارئ حتى الكلمة الأخيرة. لم تُحدد الرواية بمكان معين، وربما كان هذا مقصودا، فأحداث كهذه مرشحة أن تحدث في أي مدينة عربية يوجد فيها مسلمون ومسيحيون، وإن كان تحديد المكان يزيد من متعة الرواية وجمالها، ويجعلها أقرب إلى القارئ، وأكثر حميمية وألفة، أما الزمان فهو وقتنا الحاضر بدليل توظيف الفيسبوك في الرواية.
تناوب أحمد الصابر والراوي العليم الذي كان أحمد الصابر نفسه أيضا مهمة رواية الأحداث وسردها بتداخل وتشابك، ومع أن هذا التداخل لم يؤثر على جمال السرد وانسيابيته وتتابع الأحداث، ولكن أثرَّ على منطقية البناء الروائي، وإن كان يصعب ملاحظته.
وبعد فـ»هي والراهب» رواية ممتعة جميلة، نجح كاتبها في إيصال رسالة مهمة وخطيرة، وحذر من فتن طائفية لدواعٍ لا علاقة لها بالدين، يشعلها الجهل والتسرع والطيش. وأبدع الدعفيس في نسجها بلغة فاتنة، وحرفية عالية، وحس مرهف.

٭ كاتب أردني