الاثنين، 19 نوفمبر 2018

سهيلة حماد تقرأ غلاف ومتن رواية "البلم"




عين التفاصيل


تلقيت الرواية، على أن عنوانها "البلم" وإذا بي أقرؤها "سلم "، و صورة غلاف لجزيرة زرعت رؤوسا وسط عباب بحر وعتمة !!!.
دققت النظر أكثر فإذا هي: فعلا" البلم " جاء العنوان مكتوب بالأبيض، بأحرف كبيرة وسميكة، على أقصى اليسار، كأنه ترويسة لمقال، يحده عمود:
*لسلم ربما...
*أو لمرسم...
*أو لقضبان سجن ... وقبضتي سجين ...أو سجان...
آخر حرف الميم، يتكئ على أعلى قبضة، يد يسرى لأحدهم ، تمسك بالعمود، بكل قوة، وتقابله من الطرف الآخر للغلاف، أي من جهة الظهر، قبضة اليد اليمنى، تمسك العمود المقابل الموازي.
يظهر اسم الروائي بأحرف صغيرة، بالكاد يقرأ، كتب فوق العنوان على غير العادة ، وكأن المصمم تعمد طباعته، على أول درجة سلم، إذا ما اعتبرناه سلما. أو هو أعلى إطار مرسم، حتى لا يشوه المشهد.
أو ربما أراد أن يجعل الروائي في وضع مريح، ممدد ليقربه للعنوان ، ليمسح الفضاء، ليسترجع أنفاسه، بعد كل مشهد مؤثر، أو مأساة، ليمكنه من متابعة رحلة، ربما قد تطووول، ليتابع مسار شخوصه عن كثب.. ليسمع حديثهم.. وهمسهم.. ولهثهم.. ومناجاتهم.. ولكي يحركهم باقتدار.. ويلقنهم.. إذا ما نسوا كملقن، أثناء آداء عرض مسرحية، على خشبة مسرح، يتابع النص كلمة.. كلمة.. في كل التفاصيل، والجزئيات. أو كمخرج لعرض يدقق في كل تفصيلة.. وجزئية.. حتى لا تفوته أي صغيرة.. أو كبيرة.

المسرح في الرواية، يبدو أنه :
* مسرح حيوات.
*والخشبة :
_بلم
_موج
_ بحر..
_وأديم أرض.

*الفضاء مفتوح لا سقف له سوى سماء وغيوم .
*الزمان : غروب شمس، وحلول ظلام.. أو بداية شروق، وانبلاج صبح، وانجلاء عتمة.
*الشخوص: كأنها.. حارة..  قرية.. قد تضم كبارا وصغارا شيبا وشبابا.
*الاتجاه ، يبدو من الشرق إلى الغرب؟.
أو من الجنوب إلى الشمال؟..

*قائد الرحلة مجهول.
*ماذا عن حال بوصلته؟..
وخريطة طريقه؟..
*وماذا عن جاهزيته وكفاءته، وبماذا تسلح؟..
*وعن مرافقيه، الركاب المكدسون، أشباه القطيع من الغنم أو البقر !.. ماذا حملوا كزاد وزواد؟ .. ماذا في جرابهم؟..
في أذهانهم؟..
ماذا تركوا وراءهم ؟..
ذكريات!..
سراب!..
رائحة!..
أعمدة!..
أم خراب!..
أشلاء!.
أموات!.
أحياء!..
أم أشبااااه..
هدفهم..
طموحهم..
نضجهم..
تأهلهم..

وتأتي كلمة رواية :
*أسفل تحت القبضة اليمنى التي تمسك بالعمود.
*حرفان كتبا على البحر:
- حرف الراء
-وحرف الواو،
* فيما كتبت:
_الألف،
_والياء،
ـ والتاء، المربوطة
فوق العمود.

الراء : قد تحمل فكرة راية.. ورأي.
أما الواو: فهو وشم ذاكرة على البحر.
أما الثلاثة أحرف، التي نقشت على حاجز الإطار (العمود)، ماذا يقصد مصممها، من وراء ذلك؟.
الألف والياء: أهي، آي: صرخة.
والتاء المربوطة: ة: أتكون إشارة بأن الذوات باتت لاحول لها ولا قوة.. كحبة سبحة متناثرة؟.
أتراه أراد أن يشير بأن الرحلة لا تنتهي بعبور البحر والانتهاء إلى مرسى؟!، وأن الرحلة تنتظرها محطتين، عبر معبرين؟!، وسوف يعترضها حاجز محروس بقبضة من حديد؟!.
أهي فعلا ذوات مغلولة الإرادة والتفكير، مشلولة، سجينة وهم، وشعار زائف، ولعبة دنيئة، مدبرة، ذهبت ضحيتها ذوات. فمن أثر الصدمة تقوقعت على نفسها واختارت الصمت المهيب الرهيب.
وكأن في الأمممر (الأمر)
حدث جللللل (جلل).
قضية غامضة متشعبة.

نحن إذا أمام ثنائية، من ناحية، ومن ناحية أخرى نحن أمام ثلاثية.
المعادلة صعبة .
الطريف في الأمر، وأنت تنظر إلى الصورة والكتاب مفتوح تبدو كلمة:
* الرواية
تليها
*البلم
ثم اسم الروائي
*محمد تركي الدعفيس
على عمود، يتوسط القبضتين الممسكتين  بإطار المرسم، في شكل نازل، من الأعلى إلى الأسفل، بحيث توحي إلى الناظر، أن الرواية في منتصف الطريق سوف تأخذ منعرجا آخر وقد ينحدر مسارها.
وهذا الانحدار، هل هو هزيمة وتراجع وخذلان وتبدد أحلام، أم هو انحدار وتقهقر، (عزيمة واصرار)، وخيبة ذات وانكسارها، وتمرغ في وحل.. في قاذورة.. في عبث.. في لا مبالاة.. وعدم.. أم انحدار أخلاق.. ونزول إلى أسفل بئر عميقة.. من الرذيلة.. من الخساسة والموبقات، وتبرير لممارسات غير مشروعة.. وفقدان بوصلة أخلاق وقيمة، نتيجة، جرح واجتراح وفقد وخيبة أمل، وضياع وهروب من ماض وذاكرة.
بالرغم من أن الطريقة التي كتبت بها، جرت بها العادة، إلا أن طريقة تقديمها مطبوعة، فوق عمود المرسم، أوحى لي بهاته القراءة، ذلك أنها توسطت فضاءً بعينه محددة:
_سماءه
_يمينه
_ ويساره
خشبته:
_بحر...
_أرض...
وكأن المخرج أرادنا أن ننظر، ونتقيد بعدستيه، وأن نتأمل المشهد، مجزأً مفككا:
يمينا..
وشمالا..

البلم أين هو من العنوااان ؟!.
حقا بالكاد نراه، يطفو فوق ماء البحر، يبدو جزيرة .. ذلك أن حزمة الرؤوس أثقلته وسحبته إلى الأسفل... تصاب بقشعريرة وأنت تحدق فيه.. تصاب بغثيااان بصداااع... إذ تخاله يغغغرق أو هو يتهيأ ويتشهد استعدادا للغرق.
الرحلة تبدو.. غير شرعية.
إلى أين الوجهة يا ترى؟.
ما الأمر؟.

بقية العتبات
بعد حديثنا عن الغلاف، والعنوان، نمر إلى بقية العتبات، ونحاول أن نقارب بينها وبين ما سبق ذكره، في محاولة للربط، للتأكيد أو للنفي.
"تابلم" هي رواية تتألف من 119 صفحة.
تحتوي على ثمانية فصول مرتبة كالآتي:
1ـ فراش من كرتون
٢ـ انهزام المدن
٣ـ كفن ممزق
٤ـ في مهب الريح
٥ـ نفاق الشعارات
٦ـ حافة الهاوية
٧ـ رغبة شاهقة
٨ـ المرافئ المشتهاة، (يذكرني العنوان بسفر للدكتور وناس سعد" مدن الاشتهاء" )

نصوص التصدير:

إهداء:
١ـ  في شكل اعتراف بالجميل لوالده ووفاء يقول: "إلى الرجل الذي قرأت في عينيه عظيم فخره حين سطرت أول كتبي".
٢ـ إلى كل الناجين من برزخ الموت، وكل الذين تحطمت أحلامهم.

الشاهد:
١ـ مقولته كن دوما في صف المطحونين حتى تجد نفسك أجمل حين تنظر في المرايا.
٢ـ مقولة حمورابي كما بدأ قوانينه: "كي لا يؤذي الأقوياء الضعفاء كتبت الآتي "

٣ـ يختم بمقولة لسقراط:
"بعض الناس سوف يتركك ولكن هذه ليست نهاية قصتك إنما هي نهاية دورهم ."

عناوين الفصول:
١ـ فراش من كرتون: ينبئنا هذا العنوان، بطريقة غير مباشرة، بأن البلم قد يكون وصل إلى المرفئ، و بأن القادم لن يكون سهلا بدليل، أن الفراش من كرتون.
ولكن لم يتأكد لدينا بعد، أنهم تخطوا برزخا، ذلك الخيط الرفيع الذي بدا لنا، مرسوما على وجه ماء البحر سطرته خصلة شعر رفيعة لأشعة شمس قبل رحيلها، أبت إلا أن تنير يسار مسار بلم يشق عباب البحر.. وقد أرجأت الحديث عنه أي (البرزخ عمدا)*،  يبدو أنه ليس آخر المشوار وأن عبورا آخر في الانتظار.
كذلك لا نعلم إذا ما كان العبور، شمل كل القطيع أو أن بعضه تخلف غرقا، تاركا وشما على البحر.
الغموض لا زال يلاحقنا..
٢ـ انهزام المدن:
 عن أي مدن يتحدث؟، عن التي فر منها القطيع؟، أم التي حل بها؟.
يبدو أن الروائي أدخلنا سرداب ألغاز، نأمل أن نجد مفتاح بوابة الخروج منه.

٣ـ كفن ممزق:
 تصاب بقشعريرة، وأنت تقرأ هذا العنوان، لا لأنه يذكرك بالموت فحسب، بل لأنك تشعر أن حرمة الميت قد انتهكت!، كأن كلابا مسعورة أو ذئابا جائعة نهشته، لا نعلم إذا طالت لحم الميت؟!، هناك استباحة.. لأجساااد.. بلا أرواااح. لجثث.. لأعراااض.
أكاد أجزم أن الروائي يجيد فن زرع الألغاز.

٤ـ في مهب الريح:
 تلاعب.. صدمة.. خدعة.. ضياع.. تساقط .. أوراق .. هزيمة.. وانهزام .. وتلااااش.
يبدو أن طرفا آخر دخل في اللعبة، من دون استئذان، طرف له عظمة ريح.. صير.. قطيعا.. أشلاءً.. وبعثرها، أم صير حلما أوراقا، تعبث بها الرياح.. كسبحة تناثرت، بعد أن تقطع خيطها.
ولكن هل هي ريح.. أم رياح.
إيه... أقصد
طرف،
أم أطراف..
جهة أم جهات.

في ربط مع الثلث الأخير من كلمة رواية تلك الصرخة المكتومة "إييه" أو آآآه ....
هذا ما سنكتشفه عند الولوج إلى قراءة الرواية.

٥ـ نفاق الشعارات:
 يبدو أن هذا العنوان يحمل إجابة تساؤل طرحناه، أعلاه.

★شعارات تحيلنا إلى ذاك الطرف، الذي اشتممنا رائحته، ذو وزن عظمة الريح ولكن هل هو: ريح، طرف؟.
أم رياح، أطراف؟.
ذاك هو السؤال..
تبقى الشعارات؟..
ومضمونها؟.
نفاق..

★نفاق: يقابله، صدمة، ارتجاج، احتجاج، عناء، معاناة، انهزام، اصرار، تبعثر، تدحرج، تقويم، اعوجاج، مخاتلة زئبقية، مكفففنة (مكفنة) بعذب الكلام والزيف والتزييف.

٦)حافة الهاوية:
تحيلنا إلى شفا
- حفرة
- جحيم
- جهنم
+ سقوط ونهاية سيئة، مقدرة، خارجة عن نطاق الفرد، أو المجموعة، لم تكن متوقعة.
+ أو ما قبل الشروع  في سلوك قد يؤدي بصاحبه، إذا ما قام به، أن يهوي في قاع جهنم، كعقوبة استحقها، نتيجة سلوك حرام مثلا گ:
ـ سرقة.
ـ رذيلة.
-أو غيرها.

٧ـ رغبة شاهقة:
أما هاته فيبدو أنها صراع ذات، حرمت حقها، في حياة عادية طبيعية، فحتى الرغبات، صار سقفها شاهقا، عاليا، تشرئب له الرؤوس، والأعناق، ولا تطاله فتطأطئ وتنحني قهرا واذلالا، اعترافا بأن لا حق لهم في الوجود.

٨ـ المرافئ المشتهاة:
هاته المرافئ، التي أصبحت حلم كل من ضاقت به أرضه، هل بقيت حلما مشتهى أم صارت واقعا وحقيقة.
كل هاته الأسئلة قد نكتشف إجابتها لاحقا.

** أما عن نصوص التصدير:
فنلاحظ أن الروائي، لم يعمد إلى المقدمة الغيرية، بل عمد إلى تقديم منجزه بنفسه، وبشواهد مختزلة جدا، بغية تنبيه القارئ إلى غايته، ومقصده، وتوجيهه من خلال مقولات لقامات وهامات، كاعتراف بالجميل من ناحية، ومن ناحية أخرى متخذة شكل الحكم، والدرر، صالحة لكل زمان ومكان.
ـ لنبدأ بالشواهد، ولنرجئ الإهداء فيما بعد.
ـ الشاهد الأول مقولته واعتبرها تقديما قبليا:
"كن دوما في صف المطحونين حتى تجد نفسك أجمل حين تنظر في المرايا"
أي قف إلى جانب المظلومين حتى تتجمل ببهاء أفعالك، فالطيبة ترسم على وجوه أصحابها، وتمنح صاحبها السكينة وإن لم ينل مراده.
أو تكون شعارا وراية، يرفعها الروائي، وخط برزخي فاصل للرواية؟، بين مفهومين؟، بين ضفتين؟، وبين دفتين؟.
-       الشاهد الثاني، هي مقولة الملك حمورابي التي تصدرت قوانينه، التي وضعها في بلاد الرافدين:
* "كي لا يؤذي الأقوياء الضعفاء كتبت الآتي "*
القوانين، جعلها هذا الأخير تحد من استبداد الأقوياء، وجورهم للضعفاء، علها إشارة إلى ظلم ظالم، قوي، مستبد، قد يعترضنا في إحدى فصول الرواية أو ربما على مدار صيرورتها.
ولكن لماذا الاستشهاد بحمورابي بالذات؟.
ما الغاية؟، ما القصد؟ .
أهي من أجل تذكير بمجد؟،  بحضارة؟،  بأمة؟، بتاريخ؟، بعظمة؟، بسبق للزمن؟.

الشاهد الثالث مقولة سقراط :
*" بعض الناس. سوف يتركك ولكن هذه ليست نهاية قصتك إنما هي نهاية دورهم "* في ربط مع ما سبق نستحضر عنوان الفصلين:
"نفاق شعارات"
و"المرافئ المشتهاة"
هاته الحكمة، حكمة، حكيم لمهزوم، بغية رفع معنوياته، ولملمة جروحه، من أجل توازن واحترام  ذات لنفسها حتى. لا تتخاذل وتنهزم حتى لا تنتحر نتيجة زهد في الحياة ولا مبالاة عبثية جرت إليها جرا.
مرة أخرى نستشهد بعظيم لدولة (اليونان) شاخت وهرمت، ألم يعد لها الحق في التشبيب والحياة من جديد بضخ دماء جديدة في أحيائها مدنها المهترئة ؟ دولة على مشارف الإفلاس هل نحن على مشارف أثينا.؟.
دعنا من كل هذا.. لنركز على ما خلف السور.. أجل الهدف كان أولا تذكير بأن ما يعتبرونهم دونهم (الغرب) هم عظماء الأمس (الشرق)، جور قوانين تحمي الأقوياء،
نشتّم، تخل ونهاية دور لطرف أو ربما لأطراف.
وقد حان الوقت، لشحذ الهمم، وعقد العزيمة، على التحدي وعدم التخاذل، إذ الشرق هو الأصل، هو الجود، بمعارفه وأقطابه، وهو الكرم بإغداقه على الغرب، بالنعم، وكأن لسان حاله يقول هم جاؤونا غازين. ونحن مددنا لهم أيدينا مساعدين، نبني مجدهم بسواعدنا بأزهد الأثمان، وقابلونا بالتنكر بالقوانين الجائرة الظالمة وبإدارة ظهورهم.
"علينا، أن نفهم ،بأنها نهاية دورهم".. و"ليست نهايتنا".

+أما عن الإهداء:
-       وإن خص به والده الجيني الذي قرأ في عينيه عظيم فخره حين سطر أول كتابه.
وخص به كل الناجين من برزخ الموت وكل الذين تحطمت أحلامهم.
* اذا الرحلة توقفت بخيبة أمل، على ما يبدو، لذا نكرر النداء، ونرفع الشعار "علينا أن نفهم بأنها نهاية دورهم وليست نهايتنا". كما قالها سقراط.

القراءة في الرواية
السرد:
البلم رواية، استند السرد فيها، على ضميري المتكلم تارة "نحن" وتارة أخرى "أنا" باسم البطل همام الذي تولى مهمة السارد:
1ـ لعب دور المحاور، والمستنطق، والمنسق، والوسيط، والمعاين، والرقيب، والمؤرخ والمخرج ، الذي يحرك خيوط شخوص الرواية بشكل واضح.
سواء منهم:
-أولئك الذين نافسوه على دور البطولة كعمار وياسر، أو الثانويين كسماح ونجاح، وكذلك العرضيين، كالمهربين، وغيرهم، أو الكومبارس.
2ـ كما نجح في إعادة صياغة الواقع من خلال إعادة تنسيق الأحداث، والزمن، وفق طريقة فنية، اعتمد فيها الإثارة والتشويق، وذلك بكسر تسلسل الأحداث، والتلاعب بالأنساق الزمنية المختلفة، بحيث فرق بين المتن الحكائي، والمبنى الحكائي. وهي طريقة تقنية وفنية يعبر عنها بالثنائية الضدية.

3ـ كذلك التفضية.
من أجل تناغم كل العناصر الموظفة في هذا المنجز، فقد أولى السارد، اهتماما كبيرا لتوصيف الأمكنة والأزمنة في أبعادها البانورامية المختلفة، كما نقل إلينا الروائح والألوان، نقل إلينا تفضية تحدد معالم الشخوص، مكنتنا من الغوص في ثناياها، بقصد الوصول إلى تفهم الأسباب والدوافع وتبرير سلوكياتهم، من خلال معرفة خلفيتهم الثقافية والبيئية والاجتماعية في عالمهم المتخيل، أو التخييلي، وكذلك توصيف الأشياء، بدقة وقد أبدع في ذلك، بحيث جعل لها إيقاعا يتماشى والحالة النفسية لشخوصه، وللإطار العام، انعكست على توصيف الأشياء وعلى الزمان، باعتبار أنها لا تقل قيمة، عن سرد الأفعال وعن سرد الأحداث.
كل ذلك تم، وفق بناء روائي، مفتوح، لم يتقيد فيه السارد بالتدرج العمودي، ولا بالزمن المتتالي كليا، بطريقة نمطية، مملة ورتيبة، بل سعى من حين إلى آخر إلى الاستنجاد:

- بذاكرته "كنت أحكي كأنني غيمة تسافر وحيدة في فضاء لا يزاحمها فيه طير ولا سحاب معا مثل قصائد بكر يخبئها العاشقون في تجاويف حقائبهم ويسطرون فيها نبضا جديدا.
الحب في قريتنا غواية لا يقع فيها إلا الحمقى.." (ذكريات همام من ص١١٢، ١١٣، ١١٤)
- أو بذاكرة أحد محاوريه لتقريبه من الصورة الذهنية للمتلقي ..(ذكريات ياسر) "لكنني بدل أن أنزل..
فوجدت نفسي أنزلق على لوح غير مثبت بإحكام على سطح.. واخترقته وسقطت متربعا متوسطا.. " ( ص٦٣)
ذكريات نجاح (ص١٠٠،١.٢)
التي كادت تنزلق إلى الهاوية لولا حضور همام الذي أنقضها فباحت له بأسرارها وذكرياتها المريرة .
حرصا منه على تكثيف التقاط عناصر المتخيل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتاريخي.

ولاستباحة الفساد:
" من قبل ذوات ضاقت بهم الحياة في أوطانهم، نتيجة استبداد وقصف وفقد لأمن وآمان وحب واستقرار وضوابط فالتبست لديهم الصورة، فباتوا يتخبطون في مستنقع قاذورات . (عمار وسقوطه الثالث) و(المعتقل)ً .
حيث عمدوا إلى التعامل مع مهربين، من أجل الفرار من الموت، من سجن واستبداد حاكم دكتاتور، فإذا بهم صاروا الى سجن أكبر.. غنما لدى مهرب، جاهل غير قادر على قيادة بلم، وغنيمة لدى دول، تأمل المتاجرة والكسب من مأساتهم والفوز بمساعدات وامتيازات على حسابهم، لفائدة شعوبهم وجالياتهم. مثلما هو الحال لتركيا وكذلك اليونان( ص٢٢، ص٧٧)
" كل ما زاد عدد اللاجئين الذين تبقيهم الحكومة داخل حدود البلد تزداد قدرتها على التسول من الأمم المتحدة والدول الأوروبية .."
يبدو أن تركيا وكذلك اليونان تتعاملان مع المهربين، مستعملة الفارين من أوطانهم، المغررين بهم، المصدقين لشعارات أطلقتها دول أوروبية، أعلنت مساندة، ومساعدة شعوب عربية قامت بثورات مزعومة، أشعلت باسم الحرية والديمقراطية، في أوطانهم ثم، وبعد استنزافها وتخريبها، وبعد أن استحال فيها العيش نتيجة حرب وقصف، تنكروا لهم بعد أن سلبوهم كرامتهم، ورفضوا قبولهم وبنوا سورا، على حدود اليونان، ليمنعوا تدفقهم إلى أروبا وائدين بذلك حلمهم وأملهم في حقهم، في حياة كريمة، لذوات خسرت إنسانيتها واشترت عبوديتها في القرن الواحد والعشرين بأبخس الأثمان.
+ ومن سياسيين، أغرتهم لعبة التملق، والنفاق، والمراوغة، والمخاتلة، والمماطلة من أجل الانتهاز والابتزاز والمتاجرة بوجع، مجتمع فقد أنفته وعزته، وصيروه ذليلا كقطيع غنم مقيد مغلول، مقيد لدى مهرب ضمن قائمة المسجلين بقصد العبور، سلم قيادة ذاته له ليصبح بعد ذلك "كرة تركلها أقدامه حيث تشاء "( صفحة ١٧ ) ومقيدا لدى دول العبور بخارطية، دون أن يجد هذا الأخير الوقت للسؤال أو حتى للفهم أو للانتباه، والاستدراك، وعله يتغافل عمدا، شعاره في ذلك:
" أن الغاية تبرر الوسيلة" ولعل هذه هي النتيجة الأخطر، الناجمة عن هذا التطور السلبي، للقيمة لدى الأفراد، أو المجموعات سواء منها مجتمعات العالم الثالث، أو المجتمع الدولي المتحكم في الصراعات الذي نصب نفسه راع للعالم( الثالث)*.
وهذا التحليل يقودنا إلى تطور مفهوم التهريب والهجرة السرية، فبعد أن كان ظاهرة سلبية، لا تخص إلا المعدومين والشاذين عن المجتمع، (الذين لا يشبهون الأغلبية)،صار التهريب ظاهرة معترف بها، لا لدى الفارين، فحسب بل أصبح لهم دور فاعل في الشأن الدولي، وإن كانوا يحتلون أدنى المراتب والدرجات في سلم التفاوض، مغيبين في العلن، متواجدين في العتمة، ويذيلون المشهد المعتم تحت الطاولات، لمجتمعات تتمظهر بالديموقراطية، صاغت شعارات غير قادرة على تفعيلها.
مجتمع دولي، زئبقي التركيبة والفكر .
يصبح المهرب أبا العرب،
ورموز القضية الفلسطينية أسماء أبطال مشهد التهريب، هاته الشريحة، التي كانت تعمل في الظلام كالخفافيش، باتت لها قوانين عرفية، يخضع لها الحرفاء، بينما هم، أي المهربون ليسوا مطالبين بالالتزام بما شرعوه، وإن أقاموا مكاتب وساطة لضمان النقود المدفوعة، للمهرب مقابل الحصول على طوق النجاة، و تتعامل هاته الشريحة من مصاصي الدماء مع بوليس ودول الجوار، الذي يقوم بتغطية و تأمين عملية التهريب على الصعيد الدولي.

و في ظل هذا الصراع. بين المشروع واللا مشروع
الصدق والنفاق..
ثنائيات قامت عليها الرواية منذ البداية.
ثنائيات صيرت المهرب أبا العرب وكأنه وليا وكيلا على العرب.
والامم المتحدة راعية للسلام منكلين بالمهاجرين.

* ومن خلال الخصائص الشكلية والدلالية واللغوية المستعملة على مدار سيرورة المتن الذي بين أيدينا نلاحظ تمكنا وحذقا وحرفية جد ماهرة في تجديد المتخيل وتطويره، سواء من خلال التفضية وطريقة استنطاق الشخصيات، للبحث عن ذاكرة فردية، أو جماعية أو شريحة مجتمعية أو سياسية أو تاريخية أو لاستقراء حصيف متبصر..  نذكر هنا عمار الذي "بدى أنه أكثر بصيرة على الرغم من عماه "(ص٢٢) وياسر (ص٦٢) .
ونقل الحالات النفسية، لذوات فاعلة مثل (ياسر٦٢)، ومفعول بها (شخصية نجاح)، مستسلمة (حالة ياسر بعد أن رجع إلى الكامب ) "كيف تغادر البسمة الشفاه، فترحل بلا عودة، شيء ما عميق من الحزن المقيت، كان يحز في روحه، فلم يعد ذلك الرجل الذي ينثر البسمة، حيث يمضي، مثل غيمة تحمل الفرح للحقول "( ص٨١) .أو عنيدة (كسماح) "وحدهم يتحدون قسوة الأيام يجتازون حرقتها، المماثلة لحن الأمهات الطويل، ينحازون لخيار الانشغال بالحياة ويتمسكون ببصيص الأمل حتى لو بدى ضئيلا".

تتواتر الأحداث فنحضر عزيمة، وإصرارا "وحدهم هؤلاء الذين يصرون على الحياة في الوقت الذي يتفشى فيه الموت يثيرون إعجابي بل وربما حسدي " ويقصد سماح وأبناءها الثلاثة.
وانكسارا (حلم الجميع الذي تبدد بعد غلق الحدود بواسطة بناء سور لمنع العبور..)
كما شاهدنا مثابرة لذوات واستفسارا، وانحدارا ومقاومة وعبثا وثباتا وسعيا من أجل بقاء.

النص

أما عن "نص الرواية" فقد جاء في أسلوب شيق ماتع جعلنا نشرب عصير  حنظل محلى بالعسل.
ذلك أن غناء مخزون اللغوي، وزخم العبارة التي يمتلكها الروائي، جعله يتصرف في معجم اللغة، المستعمل لديه، بحيث يعطي   للفعل وللحالة ولتوصيف المكان والزمان والإنسان والأشياء  صفة، غير التي تعودنا عليها، بل يخرجها من سياقها الأصلي،  في المعجم، ليزجها، ويقحمها  في توصيف مجازي، يأخذك في رحلة مع الإبداع اللغوي، تلهيك عن الألم .
 فكأنه  بذلك أضاف على الألم  سكرا أو عسلا ،لنتقبل بذلك جرعة الألم المحلى، ونكمل رحلة المرار المعسلة،  وقد استعمل اللفظ بصيغة المجاز مما أكسب النص بهاءً وجمالا خارقا، خفف من وطأة الألم وحدته،  الذي   يقارب  الغثيان وربما الإغماء، في بعض الأحيان لو استعمل اللفظ كما اتفق .

 لذا نراه في كل مرة، يحاول، أن يسرب المرارة بمقدار، مدروس ، حتى يضمن متابعة القارئ بمنحه فرصة ومهلة، لإعمال العقل والتبصر  من جهة، وكذلك حتى تتمكن شخوصه التخييلية من أداء أدوارهم باقتدار وحتى لا يلجؤوا الى التغيب عن التصوير.

أوه...أووه .. ذكرت.. التصوييييير.. أجل .. فأنت تقرأ بعض المشاهد، تحسب أنك أمام تلفاز، أو خشبة مسرح، أو أمام شاشة سينما كبيرة.. ملئت بتفاصيل، وجزئيات التقطت، بعدسة سينمائية ذكية، سلطت الضوء، على المرغوب اظهاره بطريقة فاتنة ومبهرة .. ونستدل بذلك ببعض المقاطع كما جاءت في الرواية :

ولا بأس سوف استسمحكم، و أطيل قليلا لتستمتعوا ببعض  المشاهد التي أمتعتني   فنيا:
"عبرت غيمة من الاحباط سماءنا وانطفأ وميض ابتساماتنا الشحيحة أصلا، فقد تيقنا أن مكثنا، في هذا الكامب المنعزل سيطول إلى أجل آخر، وأن علينا أن نواصل عد الأيام المتلكئة بملل مقيم"
(تعبير مجازي)

*خدشت ضحكة رقيقة لإحداهن حياء الليل ومزقت سكونه وبعد أن انطفأت ...
(تعبير مجازي )(وتوصيف مشهدي يجعلك تحس اللحظة بل قد يهيأ إليك أنك سمعتها معه ...)*

* تناها إلى سمعي على بعد خطوات منها صوت مألوف كان أعلى من الهمس !!

*كنت واثقا أنني سمعته .
مسكونا بالهواجس ص٩٨
اقتربت من مصدر الصوت

* أحاول تخطي الظلال الشاحبة التي رسمها تعاقب العتمة والضوء الخافت  المنسكب على زاوية بالكاد يمكن تمييز المختفين فيها، وحين أصبحت في مواجهتها...
(تقني ) (حدد درجة الإضاء)*

*سقطت عليها المفاجأة الصاعقة..
*كساها شحوب الأموات.
*انفجر داخلي بركان هائل  من الغضب .
*واندفع الدم صاعدا .
(تعابير مجازية خدمت الصورة في ذهن المتلقي وحفزته بشكل مكثف ....)*

* كانت أصابعي  تضغط على ذراعها  تريد أن تخنق كل آثامها، تاركة أثرا عميقا عليها،
والخيالات تسافر في ذهني، في اتجاهات شتى...
(توصيف إلى جانب استحضار خاطرة)*

*وأنا أطرق بغضب أرصفة الشوارع  بقدمي
(توصيف للحالة النفسية التي كان عليها السارد كدنا نستمع إلى خطواته )*

*" كنت أتخيلها قطعة لحم يتهافت عليها الجائعون فينهشونها ويرمون ما تبقى منها كقمامة في سلة قاذورات ."
(الصورة الذهنية المتخيلة لديه الناجمة على إثر ما رآه هيجت لديه هواجس ومخاوف انتقلت إلينا ومكنتنا من استحضار مشاهد لأفلام ربما لمسلسل كانت إحدى البطلات قد عاشت حالة مماثلة  )*

*"صارت العتمة والضوء يتعاقبان على شوارعها التي بدت تنفرج شيئا فشيئا كلما أوغلنا في الابتعاد"
"وحين أرخيت قبضتي وحررت ذراعها .."
(إبداع في السرد من دون إطناب )*

وعلى الرغم من شهقاتها، ونشيجها ذهبت بعيدا  تذكرت "حياة" تساق مثل ذبيحة إلى مائدة رجل آخر فقط لأنني لم أجرؤ أن أعلن أنني أحبها.
(استحضر ذاكرته، تكثيف للمشهد، لمزيد تحفيز القارئ، حبكة ماهر )*
(توصيف مجازي ودقة وحضور الأضواء وتفنن في السرد ماتع يجعلك تنسلخ عن واقعك لتلتحق بعالم مخياله فتصبح لصيقا بالشخوص تكاد تسمع دقات نبضهم، وهذا نادر ما نحس به  في أدبنا ... هذا الحذق الباهر وهاته الكاريزما الإبداعية لم تكن عرضية، في مشهد او اثنين، بل اكاد أجزم أنها لازمت المتن منذ الفصل الأول، وهو يوصف الحي الشعبي بكل تفاصيله وروائحه وذاكرته الجماعية، من خلال الأغنية، وروائح المآكل والمشارب، فحتى رائحة العرق والصنان، لم تفته، إلى أن أردفها بروائح الرطوبة بأثينا، وبالقاذورات ، ووشاها، بذاك المشهد الذي حضر فيه رئيس الوفد الأممي وتعديله لجلسته مرة ومرة أخرى لم يتمكن  لأن هاجسه كان الشرح ... و  بذكريات سير ذاتية منفردة بجزئيات وتفاصيل جعلت هذا العمل أكثر إنسانية،  وجعلنا نشعر بمرارة القهر والخصاصة .
وأقصد بالقهر، قهر الحرب،  الفقد،  الحرمان، والخصاصة، والعجز عن تلبية، الخصوصيات، والحاجيات الأولية البدائية في مستواها الأول، كالأكل والشرب والنوم والتناسل.
هذا الوجع الذي لامسناه في المظاهرات في أثينا من اليونانيين أنفسهم ذلك أن هم الكاتب لم يكن همه العرب أو الأفارقة فحسب ولا الأفغان بقدر ما كان هاجسه الإنسان عموما، في بعده الكوني
لأنه يستحق الحياة، حيث ما كان يجب أن يعيش عيشة كريمة ذلك أنه سليل آدم وروحه من روح الله.
فلم يخلق الانسان عبثا، أو  ليهان، خلق ليعمل، لينعم، ليشكر، ليموت ثم ليبعث.
هذا الإبداع المشهدي، للصورة
حافظ عليه على مدار سيرورة الرواية و على امتداد فصولها.
**
نواصل عرض بعض المشاهد التي استفزتني وأبهرتني فنيا..
*لم أمد لها يدي لأساعدها على تغيير المسار الذي رسموه لها لعنت ضعفي وسلبيتي. 

*لكنني دفنت غضبي وثورتي حبستها خلف أسوار مراعاة العيب والأصول والعادات والخجل وتركت حياة...  **
(تجليد الذات )*

*لكنني في هذه المرة  رفضت الضعف وألقيت بالسلبية بعيدا، أردت أن أنتشلها من وادي الآثام.
(تكثيف جلد للذات وإبهار تحرر..
تحرر ذات وانعتاق  من عبودية العادات والتقاليد التي عبثت بالذوات وأوصلتنا إلى ما نحن عليه، من تخلف وارتداد، إلى عصور ما قبل الجاهلية، نتيجة سوء فهم للدين وللفكر الايجابي وللفلسفة وللإبداع.. فلا يمكن أن نفكر أو نبدع إذا  كثفنا العوائق والحواجز والممنوعات.
كانت الخطوة الأولى لهمام استرداده لأدميته وشعوره بالاحترام لذاته، فيما سبق كان يمشي كما اتفق، من دون نسق، جرته إلى الهروب من ذاكرة ضلت تلاحقه  إلى أن غرق، في بحر من الهواجس، التي رمته في محرقة بحر على ظهر بلم .... وضياع على مشارف حلم انتهى قبل أن يبدأ)

·       تراكيب
كما أشرنا من قبل، فإن المتن الذي بين أيدينا، زاخر بتراكيب إبداعية، رائعة، كالاستعارة المكنية، التي تثير الخيال، وقد تنوعت صورها من حيث الدلالة فمنها  الفكري، والحسي، والنفسي، مما جعل هذا المتن الروائي، أكثر إنسانية قريبا من النفس  إضافة إلى صبغته الفنية، اللذيذة، و بالرغم من المرارة، التي  تسكن النص، في كل زاوية، وفي كل ركن، في العلن و في المضمر،  إلا أنك تشعر بحرارة التعبير، وقوة التأثير، فتقع عباراته على النفس موقعا حسنا يخفف، الألم ويحرر خيالك، ومخيالك، فيستأذنا منك لبرهة فتطلقهما قليلا، فإذا بهما  يجمحان  ولا تكاد تستطيع ان تلحقا بهما وتكبحا جماحهما.
إليكم بعض التراكيب التي اخترتها لأنها راقتني:

* (رضوان وسميحة )" انطلقا كسهمين تحررا من قوسيهما."

*"فارين إلى النجاة ".ص٣٠

*(سليمان) "وهو يخنق سيجارة بين أصابعه ويرفعها بتؤدة نحو شفاهه شبه المتيبسة،  ثم يمتصها بعمق كأنه يريد لها أن تحرق جوفه،
 ثم تفوح منها رائحة الألم.."

*"ارتدى وجها قاسيا تحول قرصانا نص٣٣"

*"تناثروا فوق الصخور ."
*وداس بعضهم بعضا .
*" موجة صاخبة ."
*قادمتين من الموت والحياة .
ص٤٤

*" يتخلصون من سترات النجاة التي كان بعضهم ما زال يرتديها فألقوها بعيدا   كأنما يلقون معها ما جلبته لهم من ذكريات مرعبة..."ص٤٥

*"وحين صار الموت يتربص بالزوايا، ويمارس لعبة عبثية، تطلقها ضغطة زناد واحدة، من مقاتل ضجر، لم يجد ما يفعله سوى التسلية بإشعال الموت لينفجر في كل الاتجاهات ." ص٣٣

*"مثل ناي عتيق جاء صوته مجبولا بالشجن ."

*"كان مهزوما إلى حد الانهيار
مثل مدينة فشلت في مداراة انكسارها وأوجاعها حتى بدت مثخنة بالآلام....دهمت البثور وجهها العذب الرائق وعجزت المساحيق عن أن تعيد حسنه ."

*"لكن عبورنا أوصلنا إلى رحلة عذاب أخرى...."

"نتكدس فوق بعضنا بعضا بشكل لا إنساني وكأننا حيوانات ..."

"تفترش العشب المحيط  بالمبنى وتغتسل بأشعة الشمس ".

"نتكدس في أقفاصنا وبعضنا علق على الحدود، ونصب خيما لا تقيه شر المطر ."

"معلقين مثل معتلقين  يجهلون موعد الإنفراج،عنهم أو حتى محاكمتهم ..."

*تبث الشاطىء شجونها تحكي له،أسرار حملتها من المدن والمواني المتناثرة هنا وهناك ،وتودعها لديه وقبل أن تمضي توصيه بأن يحفظها فلا يذيعها للعابرين ..."

*"تتخلى أثينا عن ثوبها القشيب في الليل تخلع أناقتهاتخلي .. شوارعها للعابثين والمشردين والسكارى وفتيات الليل كما تحمل هذه الأناقة إلى فرشها داخل أسوار البيوت وتترك الليل يعيث قبيح، داخل هذه الأسوار ."

*"وانا أطرق بغضب أرصفة الشوارع بقدمي ."

*" كنت أتخيلها قطعة لحم يتهافت عليها الجائعون فينهشونها ويرمون ما تبقى منها كقمامة في سلة قاذورات ."

*"وجلسنا هناك أقدامنا معلقة في الهواء يلسعنا الرذاذ، كلما زمجر، ويذيقنا طعم ملوحته كأنه طعم أيامنا ."
*"أسمع وشوشاته (البحر ) حين يغفو الكون ."

*"ولا تبق سوى أمواجه تبث الشاطئ شجونه ."

*"بدأت أقضي النهارات خلف حامل اللوحات وحين يحل الظلام أترك أقدامي تسرح في الشوارع ."

*"أثينا تجوبني وتقودني ...
وتقودني في الغالب نحو الميناء ."

*عمار" لكل منا حربه يفر منها"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الحركة

الحركة في النص اتخذت شكلين متضادين، تراوحت ببن الصعود تارة وبين النزول تارة أخرى:

*"وبدأنا رحلة صعود صعبة."
*"كانت خطواتهم تمضي ثقيلا وهم ينحدرون ."
*"حتى بلغنا حجرة مهجورة في أعلى الجزيرة ."
*"بدأنا ننحدر في طريق نازلة، كأننا أوراق هشة في مهب ريح صاخبة وسيارة عسكرية تمضي خلفنا بتؤدة تضيء لنا بأنوارها الدرب الضيق المنسل بين الصخور  كهارب يتلوى يمنة ويسرة ليتخلص من ملاحقيه.
ص ٤٨

*أما عن الصمت فتلك قصة أخرى
إليكم بعض ما ورد علينا عنه:
*سقط الصمت علينا . ص٦٩
*مبددا فضاء الصمت٦٩
انحبس الكلام في حنجرتي الجافة، حتى التشقق وغاصت الحروف عميقا .فعجزت عن التقاطها. (تكثيف للصمت )
*ساد الصمت من جديد .
*"حملنا حقائبنا  في صمت عائدين، إلى الميناء، كنا واجمين . "ص ٦٩

*وعن الخرس :
صمت آذانها إدارة الكامب إثر سقوط عمار ٧٥ص.( لا من مجيب )*
محولة تلك الطلبات إلى مجرد صرخات تتبدد في واد لا يوصل صدى ( لامبالاة)
(من سمعكم ؟)

 *وعن الذكريات الأليمة الجماعية النفسية .
الكامب ما هو إلا مستشفى أمراض عقلية ونفسية قديم "أروقته القديمة تشي بكثير من الحكايات والذكريات المؤلمة حشر فيه المتدفقين من الفارين.  ....
(وكأنها إشارة إلى أن العابرين هم مجرد حالة نفسية، بمعنى أنهم غير عاقلين، أي هم تحت وصاية.. أي في وضعية التابع المنزوع  لكل حق مدني.. وبالتالي استحقوا ما هم عليه)

*أما الكلام: فهو إما ضجيجا وصخبا وكلاما جماعيا لا يسمع، كذاك الذي في  المقاهي والمطاعم بإزمير، أو في المظاهرات بالميدان بأثينا ،وإما همسا أو كلاما عاديا أو خطابات لسياسيين من اليمين أو من اليسار أو لبرلمانيين أو كلمة لرئيس وفد، أو تنديد أو احتجاج أو أو..
النتيجة كلام من دون نتيجة، يصبح الصمت أفضل لأن صاحبه في هذه الحالة يكون، احتفظ بطاقته.

في الختام، اتضح لنا أن كل وعود المنظمات الأممية والوفود  ما هي إلا خدعة وزوبعة في فنجان. وتتناثر الأحلام وتتبدد وتتلاشى وتتبخر وكل سوف يمضي في حال سبيله.
وتبقى قضايانا كالقضية الفلسطينية، منشورة يتعشى منها منظمات أممية ومهربين  وبوليس دول جوار وحوار من أجل بناء جدار و أسوار أوقفت العبور قبل نهاية المشوار.

                         انتهى
                        سهيلة بن حسين حرم حماد
17/11/2018

في الختام أشكر الدكتور مختار أمينmokhtar Mokhtar Amin الذي منحنا فرصة  قراءة   هذا المتن الحقيق بالاطلاع لأهميته الأدبية والتاريخية، وكذلك لصاحب المتن الروائي المتمكن صاحب الفكر والكلمة الراقية Mohammed Aldafess .
كما  لا يفوتني أن أشكر كل الذين تابعونا على صفحة مؤسسة المختار من زملاء مشرفين وأصدقاء ....
شكرا جزيلا  للجميع....

                 سهيلة بن حسين حرم حماد








سهيلة بن حسين حرم حماد





الأربعاء، 7 نوفمبر 2018

الناقد المصري مختار أمين يكتب عن روايتي "البلم" الصادرة عن دار ذات السلاسل الكويتية عام 2018



بلَمْ مهترئ ضعيف يحمل هروب العرب عن القضية، باحترافية الأدب العربي في رواية "البَلَمْ" للروائي السوري محمد الدعفيس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ مدخل:
لم يكن في ظنّي بكل هذا القدر، أن الحزن عندما يعرّش له مكانا في القلب والوجدان أنه ينمو دون أن ندري ما يحدث في باطننا، نعم أدري حالته عند الولادة يصرخ ونصرخ معه بكل ما أوتينا من قوة الشعور، وفجيعة الإحساس بالفقد، ولكن عندما يسكت ويغفو بنا للنوم سويعات، ثم تمتد أياما وشهورا وربما سنوات، ثم يعود ويتكلم في رصانة الناضجين يكون أوعر وأحرق، وإن خرج صوته همسا. وإن طال الوقت بنا معه وسكت صراخه، لا لأن خمد بداخلنا ولم يعد له صوتا، ولكن ليعيد رسم معالمنا في أعين الآخرين وفي مرآتنا اللحظية المتعجلة لأخذ لقطة لوجوهنا كل صباح، ينتهي به المطاف عندما يظهر في ذهول أعيننا، وتكسرات الوجه بتعريجات ألمه، ونبرات أصواتنا التي خفتت قليلا متلونة ببحة الألم، ويورّثنا السكات طبيعة، وحبّ الخلوة وتدفق الذكريات، والسهم عند لقاء الأحباب والأصدقاء، ولم نسلم من يديه القويتين لانحناء ظهورنا وحركاتنا الثقيلة تفتقد للهمّة، ومخالبه تيبس جلود وجوهنا لم تعد مرنة للابتسامات وغير قابلة لسعة الضحكة..
فإن كتب الكتّاب وعبروا عن حزنهم المارد القابع في نفوسهم استطاعوا التحكم فيه، وينقشونه على أوراقهم كما يحلو لهم، لكنه يفوح في ثبات.. في وعي، يبرهن صرخاته وأنّاته.. حزن يكلّم الآخرين، يحذرهم منه، ينقل لهم ألف وجه وصورة تعكس ألوانا متعددة من الشجن، وهو يعزف بداخلهم نغمة الصبا لتكسر في نزعاتهم الهزل واللامبالاة..
فرواية "البَلَمْ" للكاتب السوري محمد الدعفيس، هي صرخة ألم في وجه الإنسانية والعالم بأسره، لم تكن مجرد رحلة لحفنة من الأفراد والأسر فرّت من هرس عجلات الحرب في بلادهم التي تهرس وتفتت كل الأرواح وتجور على المنازل والمباني وكل أخضر ويابس، وكل حيّ صامت خاضع ساكن قانع، واختاروا لأنفسهم رحلة الهرب التي لا تقل خطرا وهولا عن أهوال الحرب، والقتل والدمار والهلاك عبر البحر والغابات المخيفة القاتلة في فلاة ممتددة بلا نهاية ولا خريطة مٌهدية، وكأنهم طواعية دخلوا بطن الغول المتمرد الثائر في طبيعته، لأجل حلم يثور ويجول بهم في مخيلة رؤوسهم، مجرد نداء حليم رحيم رنان في نبرته يطيب للنفوس التي تطلب الراحة والآمان حتى ولو من أجل أكبادهم الصغيرة التي تتسكع وتتألم بين أرجلهم في رحلة الموت الجديدة المختارة طواعية..
ولكن هي في الحقيقة جزء من مخطط المؤامرة للاتحاد الأوربي والغول الصهيوني، والتخطيط الدولي ضد العرب، وإن صدقوا وتحملوا أعباء بعض تفاصيلها، لأن المخطط كبير في مراحله ومنهجه، إشعال الفتنة في الداخل، تجبّر السلطة وحرصها على البقاء وحماية نفسها بكل ما أوتيت من قوة، عندها تقوم الحرب، فارق القوة بين المتصارعين يتيح الفرصة  لتدخل أوربا وأمريكا بقوتها العنترية، يتنازعون فيما بينهم على فرض السلطة والحصول على الغنائم، تتشرس الحرب، يتم التهجير، ولجوء المواطنين إليهم، في النهاية تكون الغنائم كبيرة ومتعددة، الحصول على مقدرات الدولة في الداخل، فرض الولاية على الحكم، محو الدين والعادات والتقاليد، تلوين العرقية العربية بحقن الدم الغربي وعاداته وتقاليده وطقوسه وحضارته الزائفة، أما في الخارج -داخل بلاد العرب المهجرين- فالمكسب أكبر، يتم العكس حقن الدم الغربي بالجين العربي، الجين المتوالد الخصب، المرأة القوية الولّادة، والرجل الخصب، وأعمار الشباب تزيح معالم الكهولة على شيخوخة أوروبا وتصبغها بالحيوية والنشاط وتغزو مسارح الأعمال الهائلة، وتنشأ الأطفال في هذه البيئة، وفق قانون أوروبي صارم لا يعرف التهاون والوساطة..
هذا هو الهدف الأكبر لكل النزاع العربي على الساحة العالمية، وجوهره الجور والاستعمار بشكله الحديث والقديم، جور فصيل على فصيل، الأول بعد تورمه من غزواته الاستعمارية، أخذ أحسن ما في الثاني –الترابط العائلي والأسري، وعادات الدين، وعلمه- فتوقف ليبحث ويقرأ ويتعلم، وأراد بالقوانين المادية والعلمانية أن ينتصر على تعاليم الدين، زعما منه أنه من منطلق الديمقراطية الشفافة والحرية خلق مجتمعا حرا منضبطا وفق القانون، فتقدم بوقود العرب وثرواته، والفصيل الثاني الفقر والذل جعله يتخلّف ويتنكر لعاداته وسلوك دينه، ولكن المجتمع الغربي الصهيوني مازال يرى في تركيبته الجينية القوة، ولم يستفد من خير أرضه ومدخراته لكنه مملوءا بالخصوبة، والأول يعاني الكبر والشيخ في الأيدي العاملة والتفكك الأسري..
أما الهدف الأسمى تغيير خريطة العالم وتقسيم الشرق الأوسط، والقضاء على العرب، وإخماد ثورة الفصيل الإسلامي ليبقى خاضعا هامدا مستكينا، ويا حبذا لو إلغاء الدين..
هذا ما نراه يحدث الآن بصورة جليّة متعجلة..
إن العمل الأدبي الرابح الخالد، هو من يقول بين سطوره الكثير الكثير، ويجعلك تفكر وتحلل، وتضع يدك لتتحسس الجرح الخامد فيك كذبا، وهذا ما رأيته في رواية "البَلَمْ" كما رأيت الاحترافية العالية التي تسمى أدبا في الكاتب محمد الدعفيس، ورأيت نور فكره وثقافة العالية مزروعة في أرض روايته في إتقان..

2ـ الفكرة والموضوع:
الحداثة هي أن تتكلّم بلسان يرصد الواقع الحالي بأدواته وعناصره، أن تعبّر عن ملكاتك بسلوك يتوافق والواقع من حولك لحد يصل لمرحلة الهضم الكامل، وتجعلك منتميا متلائما..
فإن كاتب اليوم إن لم تسجل كتاباته الواقع من حوله لحظة بلحظة، وتشعر أنه متشابكا معه ومعك، يأخذ منه ويعطيه في تبادلية فطرية لا تمل الدوران، وانعزل في برج عالٍ يحفر في مخزون نفسه الثابت، فكأن كتاباته كزبد البحر تذوب في موج التاريخ المنسحب العائد لسكون البحر، ولا يبقى لها وله عمرا..  
هكذا كتّاب مثل الدعفيس، لم تكن كتاباتهم تعبّر عن ذاتية توحّدية منفصلة عن الواقع من حوله فاقدة بوصلة التواصل..
عندما يئن، يئن أنينا جمعيا اجتماعيا، ومخاض الولادة للبطن المتخم بالكتابة تدل على بلورة الفكر، وآن اكتمال جنين العمل الأدبي الإبداعي، وشُكلت بداخله معالم الوليد من رأس وجزع وأطراف، ورُسمت القسمات والمعالم في مراحل التأليف قبل القلم والكتابة على الورق..
من نتاج فكرة أرادت أن تكون صرخة في وجه العالم الذي يدّعي التحضر والتلويح برايات السلام الاجتماعي والسلم والأمن لبني الإنسان كافة على الأرض بشعارات زائفة، أرادت.. فكرته الأم أن تقبض بيد التحدي القناع المصطنع للشعارات الرنانة من على وجوههم وتلقي به في الأرض لتظهر للمكلومين المخدوعين وجوههم الحقيقية البشعة ليدركوا خطاهم ومصيرهم.
إلى هذا الحد تبدو هذه الفكرة مغلقة وعصيّة على الإبداع الأدبي السلس في سياق قصة. رواية تمتع وتفيد، والأديب المحترف حرّ في أفكاره ونوازعه التي تتخبطه في الداخل، صانع ماهر يجيد التوظيف والترتيب والتخطيط، آن ثورة منيّ الفكرة في أعصابه يعدّ لها الوعاء الذي يقذفها في داخله -الموضوع- فيتم التلقيح بنشوة وميراث خبرة، لحين الانتهاء من مرحلة التكوين -التأليف-  ويأتي أوان جني الثمار وولادة الوليد..
فكان الموضوع حانيا آنيا، حدثا متكررا كل يوم في سائر بقاع الأراضي العربية، ناقوس يدق مدويا، يتظاهرون الغرب من مرآه أنه يؤرّقهم ولكنه بغيتهم، ويلتاع العرب من رؤيته، ويدق في أذهان دواخلهم طبول الخطر والفناء..
فصاغ الدعفيس فكرته في قلب موضوع عبارة عن رحلة، باتت تسمى رحلة الموت البارد، لأنها باختيار أفراده المتصوّرة أنها مجبورة عليه، رحلة هجرة إلى الغرب عن طريق الحدود عبر الصحراء والبحر العاتي الذي آن ثورته يلتهم كلّ حيّ..  يكشف فيها العنان لأولاد أفكاره المتناسلة من الفكرة الأم، يصوّر الوجوه والأماكن، وفرضية الواقع ومقتضياته، نرى الأماكن التي أخذت شكل وحال ساكنيها، بوصف سردي ولا أمتع، سماسرة التهجير في بلاد بعينها بين الحدود، تبدأ من حدود البلد المنكوبة والبلاد المجاورة إلى حدود أوربا، بسحناتها وتركيبتها النفسية والسلوكية تنم عن الخطر والبشاعة، بتصرفات لا تتبدل ولا تتغيّر عن سلوك فكر المغتصب، والأحياء والميادين والمنازل والملابس والسحن التي تلوّنت بزفارة أنفاسهم.. والفصيل الذي يطلب الخدمة -خدمة التهريب-  بين أفراد وجماعات وعائلات، وتركيبة شخصيتهم الفائقة الصنع، تضج وتصرخ بأفكار الرواية الفرعية، وراء كل منهم حكاية لفكرة الهرب والتخلّي، شباب وشابّات، ونساء ورجال في عزم الحياة، وتصوير فرضية الواقع تصويرا حيّا حقيقيّا، يجعلك تتوقف في مشاهد ذكريات الأفراد الخاطفة، وتقيم المقارنة اللاسعة بين حالهم وذواتهم وسلوكياتهم قبل نشوب الحرب والجور عليهم، وترى فيهم النقاء، وفطرية الآدميين، وتقبل الواقع القدري والتكيّف معه، ونتاج فعل الظلم والقهر من أيدي الحاكمين الذي يخلو من الهوادة والرحمة، سلاحه يقتل بشكل عشوائي غشيم، هنا يصرخون ويضجون ويطلبون الفرار والنجاة، وبين تصرفاتهم وسلوكياتهم أثناء الحرب والخضوع لفرضية الواقع، تلمح رويدا رويدا تغيّر السلوك والفكر، والتكيّف المفروض المجبّر، والانصياع التام ليد المهرب التي تحركهم كقطع شطرنج، وذل العبد المستكين لسيده، فتخرج ذواتهم الطيبة الفطرية مرهقة متعبة بزفرة حسرة أثناء الذكريات، أو محاولة التكيّف للمفروض، وتلبية الأوامر لمن في يده سلطة التصرف في أرواحهم، وحرية نزعوها من جيوبهم سلموها لهم طواعية مع نقود الرحلة، وبراعة المؤلف وهو يزيح الستار عن خيال الحلم الزائف في النجاة، والاصطدام بالواقع المرير حتى بعد انتصارهم على البحر وخروجهم ناجين، وهم على قيد خطوة تفصلهم على تحقيق مناهم والعبور..
هذا الحديث في الموضوع بكل هذه التفاصيل لنبيّن في حدث درامي من خلال قصة في حدث عبارة عن رحلة، كيفية براعة المؤلف بغرس أفكاره المنبثقة من الفكرة الأم على وجوه وحياة وسلوك بشر وتركيبات شخصية، وأماكن وجغرافية وطبيعة وتفسيرها بعيون مختلفة، والتطوّر الدرامي بتكنيك حريف للشخصيات والحكاية حتى يصل بقصته إلى نهاية الطريق، وقد زرعت في رؤوسنا ألف سؤال يحتاج التفكير والعمل على أنفسنا حتى لا تفاجئنا الإجابات..

3ـ التكنيك الاحترافي ومهارة الصنعة:
أ ـ العنوان:
"البَلَمْ" في مفهوم الكاتب هو عبارة عن قارب مطاطي ب موتور يحمل عشرة أفراد أو يزيد قليلا يغوص في البحر لمسافة وقوده، ويتحكم في ذلك نوع الموج الذي سيغوص فيه في عمق البحر، والحمولة على كاهله، والريح، كل هذا يتحكم في إتمام الوصول وإكمال الرحلة أو لا.. فنجد إنها معايير ثابتة لابد أن يحسب لها حساب دقيق، ولكن جشع المتحكمين في الأمر، وعدم شرعية الرحلة، ورغبة وحماس الهاربين، يجعل كسر كل هذه المعايير حتميا وفرضيا؛ فيصبح النجاة نادرا، ووصول الهاربين لمأربهم قدرة من الله وحده..
لم يكن العنوان مجرّد بوابة النص للولوج منه إلى متن العمل السردي، وفك شفراته، والإلمام بمحتوى أفكاره، بل هو أيضا دليل على الصراع وإحداث المفارقة في حين التعامل الأول مع فكرة الرواية، ويأتي أحيانا مثَل إسقاطي على رمز كبير يستحوذ على فكرة من أفكار الرواية، كما في رواية "البَلَمْ"، فالبَلَم هنا يمثل وطن ركبه الشيطان يضج بمن فيه آن ثورته عليه، يفسد أمانهم، ويخلخل اتزان حياتهم، ويقاومهم بكل ما عنّت له قوته من جبروت، ثورة هوجاء ليس فيها أي أمل للرشد، ما يحدث في سوريا-البلد المنكوب الذي فرّ منه أبطال الرواية- والحرب الضارية فيها لا تهدأ ولا تسكن، كما في بلاد عربية كثيرة الآن. أجاد المؤلف أن يجعل هذا البلم الذي ضعف وترهّل إسقاط على وطن يتهاوى من يريد النجاة من مواطنيه فليفر منه هاربا..
في الفصل الثاني بعنوان "انهزام المدن" يقول على لسان همام الراوي بطل الرواية: "حتى أنهم لفرط هذه الرغبة لم ينتبهوا إلى البلم الذي كانوا يصعدون إليه قديما وأصغر بكثير من ذلك الذي وعدوا بأنه سيحملهم إلى الطرف الآخر" وفي الفصل الثالث بعنوان "كفن ممزق" والعنوان يشير إشارة واضحة على البلم، يقول السارد: "سقط البلم فجأة في هوة سحيقة بين الأمواج، فانفجرت أصوات الجميع برعب، وأعادتني من شرودي.. صار مثل ورقة صفراء سقطت من شجرة يابسة في مهب ريح خريفية عاصفة تأخذها في كل صوب وبلا هوادة" وقالت إحدى الركاب: "ـ أشعر كأن شيئا تحتنا كُسر؟ نهرتها سميحة على عجل، وردت شبه هامسة: ـ صه.. إياك أن تعلني هذا، لو فعلت قد نموت جميعا.. ابقى صامتة وكأن شيئا لم يحدث..... وصلني ردها، وأيقنت أنها على صواب، فلو علم هؤلاء المتكوّمين فوق بعضهم، المسكونون بالرعب أن لوحا خشبيا كُسر من بدن البلم الذي يكاد يحملهم، لانتابهم هلع لا يمكن التكهّن بنتائجه، وربما عمّت الفوضى، وداسو بعضهم بعضا بالأقدام في محاولتهم للتشبث بالحياة" "بدأ الماء يتسرّب رويدا رويدا إلى باطن البلم، والسائق الذي يتولى إدارة دفته ما زال يناور به بعبث من تولى القيادة لأول مرة، فينزلق به يمينا ثم يسارا كأنه طفل يلهو بلعبة لا يجيد توجيهها"..
 ـ تركيب الشخصيات:
من أبرع الطرق الذي يخلق فيها المؤلف -أي مؤلف- طريقة للخوض في مسيرة موضوع قصته، أن يقوم بخلق شخصيات العمل من خلال الأفكار الفرعية للعمل المنبثقة من الفكرة الأم، إذ يبنيها في خطة العمل للرواية أثناء تأليف عمله قبل الكتابة، يجلس مع شخصياته جلسات منفردة أثناء خلقها من خلال فكرة رامزة بعينها، ومن خلال قاموسه الحياتي ومعاشرة الناس يختار شخصياته بكريكتراتها -نمطها الاجتماعي والسلوكي والفكري- أي يقول لنفسه هذه الفكرة أليّق بها هذا النمط من شخصيات الحياة، ثم يقوم بتوظيفها خلال أحداث قصته، ويخلق لها دورا محددا يتيح لكل شخصية أن تنقل فكرتها كاملة..
ولعلنا نجد في شخصيات رواية "البَلَمْ" هذا التركيب الفني المحكم، همام السارد التي تدور أحداث الرواية على لسانه، وينقلها لنا من خلال عينيه، وأحاسيسه الخاصة، دور السارد ساعده كثيرا ليتحدث عن الشخوص والأحداث بحرية، وينقل أفكار الكاتب كاملة، ويقيم مع نفسه مونولوجات حوارية نفسية تبرز شخصيته، وتعرفنا على نمط الفكرة التي خلقت الشخصية من أجلها، هي ترمز للشباب البكر الذي لم يختبر في صراع حياتي مؤثر يطلب منه القرار أو رد الفعل، فتضعنا الشخصية على أول صدمة حياتية تحدث لها، بفراق محببته قريبته وبالتخلي عنها والهرب منها بعد أن اتفقت العائلة على خطبتها لأخيه الأكبر، ويعظّم مشكلته بالعادات والتقاليد، التي ترفض الحب ولا تعترف به، فالبنات والشباب ليس لهم الحق أن يعلنا حبهما، وهم في حرص دائم على إخفائه أمام العائلة، فالعرف لديهم يقول أن البنت لابن عمها الأكبر، الأكثر تأهيلا للزواج، فأحيانا الذات تثور على هذا القيد، وتوّلد الخيانة، والهرب، فيشعر همام أن الحل لديه الفرار من حدود الوطن، فيشعر بالتخلّي والخزي والاستسلام..
ثم شخصية ياسر الشاب المشحون بالألم كان يرمز به على المثابرة والمرونة والقدرة على تحمل الأعباء بروح باسمة مرحة، تسرّي عن نفسها قبل أن تسرّي على من حولها، شخصية ملؤها الثقة في القدرات، وعندما تتكاتف عليه قوى الظلم من كل جانب تريد كسر أنفه، وتفلح في كسره داخل نفسه لينغلق، وينعزل عن العالم من حوله لإحساسه بالعجز، وأنه لا يستطيع مساعدة أحد ولا حتى مساعدة نفسه. فيتحول إلى إنسان سلبي.
وشخصية عمار الشاب الكفيف الذي تقوده أخته الصبية، وسافر بها عبر رحلة الموت للحاق بأمه الذي حرم منها بجبروت الأب الذي أجبرها على التخلي عنه وعن أخته الصغيرة، وكان يرمز به إلى البصيرة، وكان عمار مملوء بالبصيرة التي يفتقدها المبصرون من حوله، ولكن عجزه في عماه الذي كان يجعله يتعثر وينهزم أمام أي عائق يحتاج عين المبصرين، يصوّر الكاتب في هذه الشخصية قمة التحدي للعجز، وكأنه ينقل رسالة أن الشباب طاقة قوية تتحدى أي عجز يعوقها.
وشخصية سميحة الأم لأطفال تصحبهم معها وزوجها في هذه الرحلة الشاقة التي هي مراهنة على الموت، وشدة حزنها وفراقها على وطنها الذي كان يوما آمنا تحلم أن يترعرع أطفالها ويكبروا ويتعلموا داخله، يظهر في شخصية سميحة مدى الوعي الفطري لملايين الأمهات السوريات، ويحدث فيها المفارقة بين حبها لوطنها التي نمت وترعرت فيه طوال حياتها، ولا تتخيل أن تتركه مجبرة، وخوفها على أولادها أن تفتقدهم في الحرب الشيطانية التي لا تفرق، تحلم لهم بمستقبل آمن، وحرصها الشديد على تعليمهم، وغرس حب الوطن فيهم رغم معاناة الرحلة، وتظهر أمام زوجها وأولادها القوة والتحدي وهي تعاني من ضعف طبيعي كامرأة بسيطة تعيش حياتها في وطنها بأداء يومي بسيط تجري أيامها مجرى العادة كبقية النساء ربّات البيوت، ولا يمر في أشرس كوابيسها أنها ستمر بهذه المغامرة.. يصوّر نوع من التحدي مع الذات نفسها والواقع الجديد الشرس..
وشخصية نجاح الشابة التي تعرضت للظلم وفقد الأمن والأمان والحنان من بعد وفاة والدها وطردها الجد هي وأمها من البيت، وأخذهما الخال لتخدم أمها في بيت أخيها، وهما يعيشان أسوء حياة لعبيد، من جبروت الخال وسوء معاملة زوجته لها ولأمها حتى مرضت وماتت، وأجبرت على ترك الدراسة وهي تعاني ويلات الفراق لأمها وفقد البيت، حتى خطبها خالها لرجل لم تعرفه، خطبها عن طريق أمه، وهو في غربته في بلاد الغرب، وعندما بدأت الحرب جبرها خالها للسفر إلى خطيبها ليتزوجها هناك، وحدها بمفردها، دون أي اعتبار لما يحدث لها من ويلات، وفرّت بجسدها تبحث عن خطيبها الذي تعمّد نسيانها، بعد الصراع في رحلة الموت وعلى بلاط الأرض الغريبة كلاجئة لم يتوفر لها أدنى شيء، فصغر حجمها في عينيها وفقدت الإحساس بكيانها، والجوع والحاجة يقطعان أحشائها، ففكرت أن تمارس البغاء في الطرقات المظلمة حتى تجد مبيت، وتحصل على لقيمات تخرس جوع قاتل هائل من كل النواحي، وعندما أنقذها همام في طريقه بالصدفة، كان عامل إيجابي بالنسبة لهمام ليثور على سلبيته وجبنه، ويتخيل مصير محبوبته حياة، ويراها فيها، بينما تعترف له نجاح إنها لم تمارس البغاء، ولم يلمسها أحد، وأن رغم وقفتها في هذا الطريق كمانحة متعة جسدية للعابرين، أقرّت أنها لم تتحمل أن يلمس جسدها غريب، وتقاوم نفسها في أن يكون جسدها سلعة لأي عابر مهما كان..
صوّر فيها الدعفيس الإحساس بالرخص والاستهانة والعجز المفرط، وكأنه يصرخ في وجه العالم ماذا أنتم فاعلون لإنسان دوما في قهر متعاقب يبحث عن السكينة والأمن واحترام أدميته؟.
الحقيقة أن كل شخصيات الدعفيس في الرواية كانت في بناء قوي، يعكسون صورة حقيقية لمعاناة شعب، جاهد للحفاظ على أدميته بقدر، له سقف للتحمل طالما يعيش في وطنه وبين أهله، ولكن عند التشريد والحرب التي تقطّع في جسد وطن وتحوله هو والأهل والرفاق إلى أشلاء، حرب تراهن على محو إنسانيته ودمار لكرامته وأدميته، فهو في حاجة لعون لإنسانية العالم للحاق به ومساعدته، ويكتشف كل ما يدعونه دعاة الإنسانية هراء وشعارات فارغة، عندما تحدوا الفارين الموت واللجوء إليهم، كان تنكرهم واستعبادهم وذلهم هي الفجيعة الكبرى. 
فمعايير الفكرة التي أرادها الكاتب في شخصياته هي:
 1ـ لابد للشباب على اختبار إرادتهم والمثابرة ومقاومة صرعاتهم، وتنمية قدرتهم لتحقيق أهدافهم في الحياة، لأن لو لم يحدث ذلك ينكسرون، ويصابون بالتبلّد والإحباط، وتتعطل قدراتهم ولا يستطيعون مساعدة أنفسهم والآخرين، وعندما يأتي عليهم حدث عام فارق قوي في شدته، كما الحرب والهلاك والدمار يفرون منها دون أدنى فعل إيجابي للنجاة بأنفسهم فقط.
2ـ إبراز العادات والتقاليد القبلية البدوية التي تخضع فيها الأفراد لحكم الكبار، التي فيها كثيرا من الجور والقهر لحرية الشباب، والفتيات والمرأة بشكل عام، حتى لم يطبق فيها شريعة الدين، وما يرضاه الله، وما كفله من حرية للأنفس بشكل عام.
3ـ انكسار الشباب الخصب في أول مراحله على خوض الحياة، الشباب الذي يجب تفعيله والاستفادة من قدراته.
4ـ استعباد وذل وقهر على أيد الحكام ومن في أيديهم سلطة القرار لمواطنين وأفراد لا حول لهم ولا قوة.

ج ـ التكنيك والبلاغة:
لابد للرواية أن تمتع القارئ، ويرى نفسه في أحداثها وشخصياتها، وتسمو بمشاعره في كل سطر وجملة، وكل صورة مشهدية، ويجد فيها المعلومة الثقافية المتنوعة، وتقدم فكرة محترمة، إما تشغل بال القارئ تدور دوما في أتون عقله، وأن تكون باعثة لفكرة يجب أن يفكر فيها، وتصب في قالب موضوع عبارة عن حدث يعيشه ويراه، حتى يصبح  متلهفا لسماع قول الكاتب في أفكاره ويتأمل تصرفات شخصياته، حتى تصل نهاية الرواية إلى رصيف النهاية ليعبره القارئ ويخوض حياته ببعاث جديد..
فإن رواية "البَلَمْ" من الأعمال الأدبية المهمة، التي تتحدث عن فكرة قوية، تنبثق منها أفكار فرعية حياتية تفيد الإنسان العربي الحالي والتبصر الحقيقي لوضعه، واختارت موضوع يحدث كل يوم في معظم البلاد العربية، تجسد فريقين فريق يفوز على طول الدوام وفريق ينهزم دوما مع فارق الامكانيات.. معبئة بالمشاهد الحياتية الواقعية، وشخصيات حقيقيين، وأحداث تنقل بعين المحايد بلا زيادة ولا تقليل، وتفوح جملها ومقاطعها بجماليات اللغة العربية وآدابها وبلاغتها، بمخزون ثقافي لأديب يعرف مادة روايته، ضخ فيها كم هائل من المعلومات الصحيحة، وبحث، وقرأ، وتعلّم من أجلها، حتى جاء مخزونه الثقافي يحقق الدرجة المطلوبة للعمل الأدبي، بالنسبة للكاتب والقارئ:
إذ لابد أن يحترم القارئ الكاتب ويصدقه.
لابد أن يصل لمفهوم القارئ أنه يقرأ لكاتب على درجة كبيرة من الثقافة يتعلم منه في قصة روايته، ويؤكد ويختبر معلوماته معه..
إن الأدب الروائي فن جميل مثير ممتع، لا يكتبه غير أديب، ماهر في اختيار اللسان الذي يتحدث به مع قارئه -الأسلوب والسرد- فيخرج الأخير منتشيا ممتلئا بالحيوية والنشاط والفكر الهادف..
تحية لكاتب روائي عربي، استطاع أن يحول معاناته ومعاناة وطنه إلى فكر وبحث وثقافة وعمل إيجابي مفيد.. تحية للكاتب السوري محمد الدعفيس..
مختــار أمــين

الاثنين، 2 أبريل 2018

دروب الآلام والخيبات فــي رواية «البلم» للسوري محمد الدعفيس

دروب الآلام والخيبات فــي رواية «البلم» للسوري محمد الدعفيس http://www.alquds.co.uk/?p=908493


لا تنبع قيمة الوطن مــن المكان، بل مــن الشعب الذي يعيش فيه، وما يربط بـيـن أفراده مــن علاقات، وفق دستور وقوانين وأنظمة، تقوم عــلـى تنفيذها سلطة مؤتمنة، وأي خلل فــي هذه المكونات يخدش الوطن والمواطن، ويخضع العلاقة بينهما لمعادلات وحسابات مغايرة، وربما قطيعة مؤقتة أو دائمة. والمرء يتحمل ويصبر مــن أجل وطنه، وقد يتجرع المرار، ولا يتركه إلا مضطرا بسبب عدو محتل غاصب، أو نظام مستبد ظالم، أو فقر وحرمان. وعندما يتحول الوطن إلــى جحيم، وموت مرتقب بـيـن لحظة وأخرى، يصبح الفرار منه ضرورة حياتية. ولكن مهما بلغ المرء خارج وطنه مــن مكانة وتقدير واحترام وحرية، فسيبقى يشعر بكسر داخله، مسكونا بالغربة والحرمان، فلا مكان أدفأ مــن حضن الوطن، ولا سماء تظلل حقيقة إلا سماء الوطن!
الاحتراب الداخلي فــي سوريا، تحول إلــى حرب بالوكالة، صراع قوى دولية، لكل منها أجندتها ومصالحها وحساباتها، اتخذت مــن الساحة السورية ميدانا لها، والشعب السوري هو الضحية، والمنتصر فــي النهاية هو العدو، والخاسر الأكبر هو الوطن!
ترسم رواية «البلم، منشورات ذات السلاسل، 2018» لمحمد تركي الدعفيس أحد دروب الآلام والشوك للمهاجرين السوريين، عبر تركيا إلــى اليونان عــلـى أمل إكمال الطريق إلــى السويد أو ألمانيا أو غيرهما. وجاءت الرواية مغمسة بالخوف والألم والقهر والمرارة والخيبة وانهيار الأحلام. رواية نجحت فــي رسم لوحة حزينة مؤلمة لمجموعة مــن المهاجرين، تحطمت قواربها فــي كل ميناء، وتحول انتظارها المؤقت فــي اليونان إلــى إقامة طويلة لا أفق منتظر لانتهائها. رواية ترصد جانبا مــن الحكاية، مؤلما لأصحابه، ومخزيا للعالم الذي يرى ويسمع ويصم أذنيه، متهربا مــن مسؤولياته، ومتخليا عـــن إنسانيته «عالم كاذب استدرجنا بدعايته وأبواقه ومبادئه البراقة، وحين غاصت أقدامنا فــي وحوله تنكر لنا، وانقلب علينا».
الدول تحركها المصالح، لا وجود لمبدأ أو خلق أو دين، وإن وجدت فهي ستار للخداع واستثمار أمثل للفرص، وتعاملها مـــع المهاجرين مصلحي وعلى المكشوف »نحن مجرد أوراق يلعبون بها حين يريدون… جدوانا بالنسبة لهم تنبع مــن قدرتهم عــلـى الاستفادة منا»، فهناك دول تستقبل المهاجرين، وتسمح لهم بالمغادرة أو تمنعهم لمصلحتها، مثل تركيا التي »تتفاوض لتصبح عضوا فــي الاتحاد الأوروبي.. هذه الرغبة تراودها منذ سنوات.. وأخيرا بدأت تفاوض الاتحاد لتضمن لمواطنيها ميزة دخول دوله دون تأشيرات.. لكن التفاوض عادة لا يكون بمجرد الإقناع والحجج المنطقية.. غالبا مـــا يجتمع معه الضغط أيضا.. ونحن ورقة الضغط… الأمر ببساطة يشبه صنبور الماء.. تركيا تمتلك إمكانية فتح الصنبور أو إغلاقه، ونحن تماما كالماء لا نمتلك مــن أمرنا إلا التدفق إذا فُتح أو الاحتباس إذا أُغلق.. إنها تفاوض الأوروبيين لتحقيق مصالحها، إن قبلوا وحققوا لها مـــا تطلب أغلقت الصنبور واحتجزتنا جميعا خلفه، وإن لم يوافقوها فتحته وتركتنا نتدفق».
استغلال المهاجرين
وفـــي المقابل ثمة دول تتمسك بالمهاجرين وتجبرهم عــلـى البقاء أيضا لمصلحتها، فاليونان مثلا »بلد فقير، وغير قادر عــلـى تأمين المتطلبات فــي ظل أزمته الاقتصادية الخانقة، وكلما زاد عـــدد اللاجئين الذين تبقيهم الــحــكــومــة داخل حدود البلد تزداد قدرتها عــلـى التسول مــن الأمــم الـــمــتـحــدة والدول الأوروبية باسمهم.. هذه خطة قد تسهم فــي إنعاش الاقتصاد قليلا، ولذا يعملون عليها، وأنتم وقودها»، وجميع هذه الدول، لا تعير المهاجرين أي اهتمام أو تقدير إلا بما يجلب النفع لها، فالمهاجر عبارة عـــن سلعة تقايضها الدول مــن أجل مصالحها دون أي اعتبار لإنسانيتهم وكرامتهم.
تروي رواية «البلم» حكاية عينة مــن المهاجرين الذين باعوا كل مـــا يملكون بثمن بخس؛ ليدفعوه إلــى المهربين وعمالهم ومكاتبهم وسماسرة التهريب ونقاط التفتيش وتجار الحروب؛ بحثا عـــن عيش كريم منتظر.
خرجوا مــن سوريا تهريبا فــي مغامرة مملوءة بالخوف والآلام، وحطوا رحالهم فــي إزمير فــي حالة مزرية مــن الفوضى وتكدس المهاجرين انتظارا لتهريبهم إلــى إحدى الجزر اليونانية. وبعد عدة محاولات، وحجز، والتنقل مــن مهرب إلــى مهرب ركبوا «بلما» قديما صغيرا عــلـى غير مـــا اتفقوا عليه، مـــع سائق دون خبرة سابقة، يسوقهم إليه أحد عمال المهرب الذي يعاملهم بجلافة، فقد استلموا نقودهم، وليذهب المهاجرون إلــى الجحيم «لم يكن هناك وقت حتى للسؤال إلــى أين نمضي، فمنذ أن تتفق مـــع المهرب تسلم قيادك له، تصبح مثل كرة تركلها أقدامه حيث تشاء.. لا وقت للسؤال، ولا حتى للفهم.. تتحول إلــى مجرد فرد فــي قطيع يُساق حيث يشاء مهربه». وبعد رحلة وســـط الموج وأنين البلم بأثقاله وتعرضه للتمزق وتدفق المياه داخله وجهل السائق، وتدخل الراوي همام لإنقاذ الموقف، يرافق كل ذلـك خوف ورعب وموت يلوح فــي الأفق، وصلوا إلــى شاطئ جزيرة يونانية بعد انفجار البلم عــلـى صخور الشاطئ، وسقوط الركاب بعضهم فوق بعض.
حياة برسم الأمل

ومن الجزيرة اليونانية، بدأت رحلة ثانية مــن العذاب وهدر الإنـســانـيـة »فقد كنا فــي صميم موسم خيبات الأمل المتوالية منذ غادرنا حدود الوطن محملين بأحلام وردية ظننا معها أننا سنمشي لاحقا عــلـى بُسط مــن سندس، وسنتكئ عــلـى مفارش مــن حرير، لكن صراخ العسكري، وهو الوجه الأول الذي قابلناه منذ عبرنا إلــى الضفة الثانية مــن الـــعــالــم، أوحى إلينا أن تلك الأحلام قد لا تكون أكثر مــن أضغاث موجعة». ومن مكان إلــى مكان ومن تفتيش إلــى تفتيش ومن عبارة إلــى سفينة إلــى حافلات، حطوا رحالهم فــي مخيم بعيد عـــن أثينا، فــي مبنى قديم خارج الخدمة، كان فيما مضى مستشفى للمرضى النفسانيين، كمحطة لرحيلهم إلــى دول أخرى، ولكن فوجئوا بأن جدرانا عازلة أقيمت بـيـن اليونان وجاراتها، يحول بينهم وبين وجهتهم، فانكفأوا عــلـى أنفسهم، يقتاتون عــلـى أحلامهم، انتظارا لقرارات الدول المستضيفة للاجئين التي أشهرت فــي وجوههم الأعذار والمبررات الواهية التي تتنــافى مـــع تصريحاتها السابقة واستعدادها لاستقبال المهاجرين »اليوم تتخلى أوروبا عـــن كل شعاراتها الرنانة وتحجزنا خلف أسوار حديدية كما تُحجز الحيوانات، لكنها لم تنتـــبه إلــى أن هذه الأخيرة تُحجز فــي حدائق الفرجة، بينما نُحجز نحن فــي العراء! ؟».
فــي المخيم يعيشون فــي ظروف قاسية، حيث وُضعت كل أسرتين أو ثلاث فــي غرفة لا تتجاوز مساحتها خمسة عشر مترا مربعا، وخدمات سيئة، وإدارة يونانية عرفية. تظاهروا واعتصموا واحتجوا وكتبوا وتحدثوا للوفود الزائرة دون جدوى، فقد هربوا مــن الموت إلــى الموت!.
الظروف القاسية وفقدان الأمل وموت الأحلام محكات للبشر، وغالبا مـــا تؤدي إلــى تغيرات لم تكن فــي الحسبان »ليس هناك أشد وطأة مــن انكسار الأمل، فهو يغرقك فــي الحزن إلــى حد الاعتياد، ويغلق الأبواب فــي وجهك، ويطفئ كل الشموع الموقدة فــي طريقك ويحولها إلــى ظلام تتيه فيه الخطوات وتضيع معه البوصلة».
ياسر الذي كان مصدر المرح والضحك، تحول إلــى شاب كئيب صامت يلوك ألمه وحيدا »كان المكان يتحول إلــى غول يلتهم ضحكاتنا وطموحاتنا، ويقتلنا بكل الهدوء المتاح واحدا إثر الآخر، يتصيّد أجملنا بلا استعجال، وينتقي بكل العناية أولئك الأقدر عــلـى نثر التفاؤل فــي دروب الآخرين، كأنه يتعمد إطفاء البقية الباقية مــن جذوات الأمل فــي نفوسنا».
أما نجاح التي أوشكت أن تنفق آخر نقودها، فقد فكرت بامتهان الدعارة لولا أن أنقذها همام فــي أول طريقها، ووفر لها عملا كريما. وسعيد قرر أن يعود وأسرته أدراجهم إلــى سوريا، مما أثار الاستغراب »رحت أتساءل: كيف يمكن لمن عبر برزخ الموت أن يقرر بملء إرادته العودة إلــى نقطة البداية؟ وأتصور حجم الإحباط الذي ناله حتى عزم عــلـى العودة إلــى يفر ناسه مــن الموت فيه»، أما همام فقد طلق الكامب وأقام فــي أثينا حيث امتهن رسم الوجوه وكشف أسرارها.
اختتمت الرواية بالوعود المجترة للدول المستضيفة، التي لم يعد يصدقها أحد، وبقاء الحال عــلـى مـــا هو عليه، اللهم إلا مزيدا مــن المرارة وقلة الحيلة ويباس الأمل »هل عبرنا برزخ الموت لنعاني ولادة متعسرة، ونقف فــي عنق الرحم، فلا نحن غادرناه لنبصر النور، ولا نحن بقينا مطمئنين فيه؟!
بدا الأمر كأننا مجرد أوراق غادرت أغصانها وسلمت مصائرها للريح تلهو بها كيف تشاء، وتودعها فــي رحلة أخيرة تنقلها إلــى البعيد».
فــي داخل الرواية روايات وحكايات، فلكل حكايته، فمنهم مــن يروي ومنهم مــن يكتم؛ روى همام لنجاح قصة حبه لحياة التي أصبحت خطيبة لأخية الأكبر، فخذل حبه وهرب.
وروت نجاح لهمام قصة يتمها وتحكم زوجة خالها بحياتها وتزويجها مبكرا لجندي فقدته بعد شهرين، ثم خطبتها لشاب فــي السويد. وروى ياسر مغامراته فــي أثناء دراسته الجامعية التي أضحكت الحضور وبثت فيهم بعضا مــن حياة افتقدوها منذ زمن طويل. وفـــي مونولوج استذكرت سميحة معاناة الناس وفقرهم مــن خلال مـــا رواه أبو سليمان صاحب البقالة، واسترجعت رحلة العذاب والخوف مــن سوريا حتى وصلت إلــى إزمير.
تعجز الكلمات عـــن نقل حقيقة معاناة المهاجرين وآلامهم ومشاعر القهر والإحباط واليأس، ولكن الدعفيس نجح بوضعنا فــي صورة هذه المعاناة ورحلة العذاب، بلغة شاعرية، وصور موحية مؤثرة، فحولنا مــن مُـــراقــبـيـن إلــى مشاركين نتألم لألمهم ونحزن لمصابهم، ونشاركهم الخوف والترقب!
٭ كاتب أردنيhttp://www.alquds.co.uk/?p=908493

الثلاثاء، 6 مارس 2018

«البلم».. رواية الخوف والانكسارات

http://www.annaharkw.com/annahar/Article.aspx?id=786655
عن دار ذات السلاسل الكويتية صدرت رواية «البلم» وهي الرابعة للروائي السوري محمد تركي الدعفيس، وذلك بعد رواياته «الرصاصة تقتل مرتين» و«هي والراهب» و«قوافل الريح».
وجاءت الرواية الجديدة في 216 صفحة من القطع المتوسط، وتميزت بلغتها عالية المستوى، وأسلوبيتها الشيقة في السرد، وتعمقها في سبر أغوار الشخصيات وتحولاتها بين الأمل والإحباط. «البلم» هي رواية الخوف والأحلام والانكسارات، حيث يمتطي الفارون من جحيم الحرب السورية، مراكب الموت ليعبروا إلى الضفة الأخرى من العالم بحثاً عن الأمان، وخلال الرحلة يلاقون الأهوال ما يجعلها رحلة تستحق مسمى رحلة «عبور برزخ الموت». تتناول الرواية حكايات الهروب وأوجاعها، ومصائر الهاربين، الذين حملوا معهم أسرارهم وذكرياتهم، وتحوّلوا إلى مجرد أوراق يلهو بها المهربون، وتلعب بها الدول وفقا لمصالحها وسياساتها.
يعيش الهاربون لحظات الرعب الحقيقي، ويتحوّل بعضهم قرابين وضحايا للرحلة المحفوفة بالمخاطر، وحين يصلون إلى الضفة الأخرى، ويظنون أنهم لامسوا حلمهم، يصطدمون بجدران عازلة تمنعهم من مواصلة الرحلة، وتوقف تدفقهم إلى الشمال، وتحتجزهم خلفها مثل حيوانات السيرك في مجمعات تعيسة، أو مخيمات نصبوها في العراء، آملين أن تفتح الحدود أمامهم يوماً، وأن تشرع أبوابها لأمنياتهم.
وتعرض الرواية للحواجز التي بنتها أوروبا أمام المهاجرين الجدد، والتي حطمت كل آمالهم، فاضطر بعضهم للعودة، وأضطر آخرون لامتهان النصب والتدليس على الآخرين، كما اضطر البعض حتى لممارسة الدعارة، فيما استفاد قلة قليلة من مواهبهم وقدراتهم الخاصة للمقاومة والصمود.
الرواية تحكي عن شخصيات واجهت أوجاع العالم بالسخرية والضحك قبل أن يكسرها الاغتراب، عن المرأة راسخة الأفكار، واضحة الهدف، وعن السياسة وألاعيبها، وعن هروب البعض ليس فقط من الحرب، وإنما من ذكريات ضعفهم وعجزهم أمام العادات والتقاليد. «البلم» رواية تنتقل بين العام والخاص برشاقة، وترصد المناوشات السياسية والأبعاد الإنسانية للمهاجرين في أول خطواتهم نحو ما كانوا يظنونه سبيل النجاة.

صحيفة "عكاط" السعودية تنشر خير إصدار روايتي "البلم" تحت عنوان "البلم.. تستحضر أوجاع ومغامرات المهاجرين السوريين


https://www.okaz.com.sa/article/1621086 
«عكاظ» (جدة)
عن دار ذات السلاسل الكويتية صدرت رواية «البلم» وهي الرابعة للروائي السوري محمد تركي الدعفيس، وذلك بعد رواياته «الرصاصة تقتل مرتين» و«هي والراهب» و«قوافل الريح». وجاءت الرواية الجديدة في 216 صفحة من القطع المتوسط، وتميزت بلغتها العالية المستوى، وأسلوبيتها الشيقة في السرد، وتعمقها في سبر أغوار الشخصيات وتحولاتها بين الأمل والإحباط.

«البلم» هي رواية الخوف والأحلام والانكسارات، حيث يمتطي الفارون من جحيم الحرب السورية، مراكب الموت ليعبروا إلى الضفة الأخرى من العالم بحثا عن الأمان، وخلال الرحلة يلاقون الأهوال ما يجعلها رحلة تستحق مسمى رحلة «عبور برزخ الموت».

تتناول الرواية حكايات الهروب وأوجاعها، مصائر الهاربين، الذين حملوا معهم أسرارهم وذكرياتهم، وتحوّلوا إلى مجرد أوراق يلهو بها المهربون، وتلعب بها الدول وفقا لمصالحها وسياساتها. يعيش الهاربون لحظات الرعب الحقيقي، ويتحوّل بعضهم قرابين وضحايا للرحلة المحفوفة بالمخاطر، وحين يصلون إلى الضفة الأخرى، ويظنون أنهم لامسوا حلمهم، يصطدمون بجدران عازلة تمنعهم من مواصلة الرحلة، وتوقف تدفقهم إلى الشمال، وتحتجزهم خلفها مثل حيوانات السيرك في مجمعات تعيسة، أو مخيمات نصبوها في العراء، آملين أن تفتح الحدود أمامهم يوما، وأن تشرع أبوابها لأمنياتهم.

السبت، 17 فبراير 2018

محمد تركي الدعفيس: تأثرت باستشهاد مالك فكتبت أول نص

http://www.annaharkw.com/annahar/Article.aspx?id=784749&date=11102015
لكل منا بداية.. وما أجمل البدايات.. محبة أول كتاب قرأناه.. وفرحة أول جائزة.. كُتاب تركوا فينا بصمة لا تمحى.. وكلمة شجعتنا على مواصلة الطريق.. أصدقاء وأفراد من الأسرة احتفوا بنا وآخرون تمنوا لنا الفشل.. وعبر رحلة الكتابة تولد طقوسنا ومزاجنا الخاص. النهار تحتفي هنا بتجارب المبدعين وبداياتهم.. وفيما يلي دردشة مع الكاتب محمد تركي الدعفيس:
هل تذكر أول كتاب وقع في يدك؟
يعيدني هذا السؤال إلى ماض طاعن في القدم.. بدأت القراءة في سن مبكرة، ربما تقليداً للوالد الذي كان نهماً للمطالعة، في الحادية عشرة من عمري، وقعت بين يدي رواية جريمة في قطار الشرق السريع لأغاثا كريستي، التهمتها كجائع وقع على وجبة دسمة، ثم غادة كربلاء لجورجي زيدان، وغيرها.. ذات ليلة كنت أقرأ في رواية وكان ضوء الغرفة ينعكس على باحة المنزل حيث ينام الوالد، فطلب إليّ إطفاء النور ليتمكن من النوم، ماطلته، مرة ومرتين، وحين طلب في المرة الثالثة كان صوته حاداً وجدياً.. أطفأت النور، ولشدة تعلقي بالرواية أكملتها على ضوء خافت من مصباح للنوم، حتى انتهيت منها قرابة الفجر.. لعلي كنت أبحث حينئذ عن منارات تحدد العشق الروائي الذي سأمضي خلفه.
جائزة.. أو كلمة.. شجعتك على مواصلة الطريق؟
في الثاني المتوسط، كتبت أول قصة، ودسستها بخجل من يعترف باقتراف ذنب في يد مدرس اللغة العربية، وكان شاعراً وخطيباً، فتلقفها بترحاب شديد، وقال لي: يا ابني نحن نبحث عن أمثالك.. ومن ذاك الوقت أطلق عليّ لقب الأديب الصغير. كان ذلك تشجيعاً مفصلياً، ربما لو لم أصادفه لأحبطني وأبعدني عن هذا الطريق.
كاتب ترك بصمة مهمة عليك؟
ليس هناك كتب بعينه، لكن يعجبني الروائيون الذين يركزون على الواقعية في أعمالهم.. يلفت نظري نجيب محفوظ وحنا مينة والطيب صالح وعبده خال وخالد خليفة وغيرهم.. ويلفتني كتاب أميركا اللاتينية وعلى الأخص إدواردو غاليانو وباولو كويلو وغابرييل غارسيا ماركيز.
متى وكيف نشرت أول نص لك؟
كنت في الثاني الثانوي عام 1984، حين قام شاب فلسطيني بتفجير نفسه في رتل عسكري إسرائيلي.. كان اسمه مالك. كتبت خاطرة متأثراً بالحالة، مبتدأ بـ سبعة عشرة عاماً والاسم مالك.. الروح هائمة والجسد ظمآن.. إلخ.
أرسلت ما كتبت إلى صحيفة أسبوعية في سورية تدعى الفرات نشرت النص سريعاً، ثم توالت نصوصي المنشورة فيها.. في عام 1986 بدأت ممارسة الصحافة، فتداخل الأمران حتى لم يعد من الممكن الفصل بينهما.
كيف تفهمت الأسرة رغبتك أن تصبح كاتباً؟
في البدايات، وحين دفعت بقصتي الأولى لمعلمي، 
قام بدوره بالاتصال مع الوالد ليتأكد ما إن كنت قد تلقيت مساعدة منه في كتابتها، لكن الوالد نفسه فوجئ بالأمر، وحين استفسر مني عن الموضوع، كنت أقرأ في عينيه فخراً وسعادة شديدتين.. حكى تلك القصة لرفاقه أكثر من مرة.. كنت أشعر باعتزازه كلما أعادها.. كانت تلك بداية الحماسة.
وجدت من الأسرة كل التشجيع والمساندة والاحتفاء، وحين وقعت كتابي الأول على حافة الأمنية حوّلت العائلة المناسبة إلى احتفاء خاص، كانوا جميعاً حولي، ينتعش الفرح في وجوههم، وتنتعش روحي بإحساس النجاح.
هل هناك أصدقاء شجعوك؟
نعم.. تلقيت تشجيعاً متواصلا من زملاء المهنة.. الكتاب الأول كان مجرد منمنمات تبعثرت على أوراق عدة، لكن صديقاً صحفياً قتل خلال الأزمة في سورية، كان قد طلب مني أكثر من مرة جمعها في كتاب ونشرها.. بعد مقتله وجدت أن تحقيق أمنيته بعض من الوفاء لذكراه.. ففعلت.
ما طقوسك مع الكتابة؟
ليس هناك طقس محدد، كثيراً ما أترك للكتابة أن تلح علي.. معظم رواياتي كتبتها خلال عملي الصحافي.. أكتب أحيانا قبل بدء عملي الصحفي بساعة أو ساعتين.. أحيانا بين موعدي الطبعتين الأولى والثانية.. أستمع غالباً وأنا أكتب إلى عزف منفرد هادئ على العود (آلتي الأثيرة)، أو اترك نفسي لموسيقا كلاسيكية عالمية بعيدة عن الضجيج والحماسة. التفرغ رفاهية لم أعرفها بعد، ربما في القادم من الأعمال قد أختبرها.
- تجربة أول كتاب نشرته؟
حمل عنوان على حافة الأمنية. وكما ذكرت أنه كان تحقيقاً لرغبة صديق راحل.. جربت معه التعامل مع دور النشر والقارئ والنقاد.. واستفدت منه كثيراً في الكتب اللاحقة رحيل مجموعة قصصية، ولا وقت للحلم قصص قصيرة جدا، ورواياتي الأربع الرصاصة تقتل مرتين وقوافل الريح وهي والراهب والبلم.
ماذا تعني لك الجوائز؟
غالباً ما أراها بوصلة تساعد القارئ على اختيار ما يقرأ.. حين تقف في مكتبة متخمة بالكتب فإنك تحتاج إلى من يرشح لك ما تقرأ بدل إهدار وقتك في التجريب.. الجوائز تلعب هذا الدور، هي تسلط الضوء على نتاجك، لكنها ليست فقط الحكم الوحيد على جودة هذا النتاج.
كتاب كنت تتمنى لو أنت كاتبه؟
لم أقرأ بعد عملاً تمنيت لو أنني كتبته.. أحترم كل نتاج.. لكن الأكيد أنني أرى أن نتاجي هو خلاصة فكري ووجهات نظري ورؤيتي لهذه الحياة.. هذه أشياء لا يعبر عنها الآخر كما أريد وأشتهي.
عمل تخطط لإصداره قريبًا؟
أدعي أنني صاحب مشروع روائي، فقد تناولت الحالة السورية عبر رواياتي، فتناولت كيف تفجرت الأحداث وما هي مبرراتها، وكيف انحرفت في بعض مفاصلها الزمنية حيث ركبها الانتهازيون وأثروا منها على حساب البسطاء الرصاصة تقتل مرتين، وفي قوافل الريح تناولت أحوال 
أولئك الذين هربوا من جحيم الحرب لمخيمات اللجوء في الدول المجاورة، وفي البلم تناولت أولئك الذين فروا شمالاً نحو أوروبا لكنهم اصطدموا بأن الشعارات التي رفعت قبل وصولهم ليست سوى دعايات وأنهم صاروا مجرد أحجار شطرنج 
تحركها المصالح والحسابات البعيدة عن الإنسانية، وفي هي والراهب عرضت لهشاشة علاقة أتباع الأديان في بلادنا وكيف يمكن لشخصين خطائين أن يفجرا صفوها.
حالياً أخطط لعمل يكمل هذا المشروع، يتعلق بأحوال أولئك الذين وجدوا أنفسهم في بلاد اللجوء في أوروبا، وكيف يتعاملون مع وضع غريب، فإن كانت رؤوسهم قد وصلت هناك، فإن أقدامهم مازالت مزروعة في تلك المواطن التي فروا منها، والتي صودف أنهم رغم الفرار منها مازالوا ملتصقين بها.
حكمتك التي لا تنساها ككاتب؟
كن دوماً في صف المطحونين حتى تجد نفسك أجمل حين تنظر في المرايا.

الخميس، 15 فبراير 2018

الروائي السوري محمد تركي الدعفيس: الكاتب الذي لا يصطاد موضوعات أعماله من الواقع يكتب شهادة إخفاقه

في عددها الصادر بتاريخ 11 شباط / فبراير 2018
نشرت صحيفة "الأسبوع الأدبي" الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب في سورية حوار معي حمل عنوان:
"الروائي السوري محمد تركي الدعفيس:
الكاتب الذي لا يصطاد موضوعات أعماله من الواقع يكتب شهادة إخفاقه"
وفي عنوان آخر: "الرواية ليست توثيقا حرفيا ولا يفترض أن تكون قراءة في فنجان الاحتمالات".
وفي الحوار قلت:
"الرواية في اعــتــقــادي يمكنها أن تكون شاهدة بامتياز على التاريخ، خصوصاً حين يتداخل فيها الواقعي مع التخييل، فثمة عمود فقري منبعه الواقع، وثمة أحداث تدور في فلكه يفرزها التخييل، ولشدة الصدق لا تكاد تستطيع تمييز الفواصل، وعدم التمييز في اعتقادي هو ما يمنح الروائي شهادة النجاح في بناء عالمه الخاص الذي يطرح من خلاله وجهات نظره في الحياة ويرسم مصائر أبنائها.
الرواية التي لا تنجح في استثمار الواقع ونبش كنوزه وتحويلها إلى أحد موضوعاتها تبقى رواية قاصرة".
كما قلت:
"الرواية ليست توثيقا حرفيا للأحداث، وليست قراءة في فنجان التوقعات، إنها عالم مواز، عالم فيه وجهة نظر، ورؤية خاصة بمؤلفها".
وقلت كذلك:
"الرواية الواقعية أكدت أنها الاتجاه الجمالي الأشد ديمومة وقابلية للتجدد والتطور، وكلما استمدت أحداثها من الواقع الذي نعيشه كانت أكثر صدقاً.
والصدق مهم للغاية في الأدب، فهو الضمانة للوصول المتيسر إلى قلوب وأذهان القراء.
والواقعية هنا لا أعني بها التطابق مع الواقع، فالروائي ليس مصوراً فوتوغرافيا ينقل ما يحدث في الواقع، بقدر ما يستمد من هذا الواقع مواضيع أعماله ويضفي عليها لمسته وحرفيته وأفكاره ليصل بها إلى حيث يريد، وليخلق منها عالماً موازياً تشعر معه كقارئ أنه عالم تعرفه أو تعيشه".
كل التقدير للأخ الصديق بسام جميدة لحواره اللطيف ولفتته الجميلة.. والشكر لأسرة "الأسبوع الأدبي على عنايتهم".http://www.awu.sy/PublicFiles/pdf/alsboa/1577.pdf